تواجه أستراليا تحدياً استراتيجياً متزايداً مع اتجاه الدول الأفريقية إلى فرض سيطرة أكبر على ثرواتها المعدنية، في خطوة قد تعيد تشكيل سلاسل التوريد العالمية وتؤثر على مستقبل شركات التعدين الأسترالية العاملة في القارة.

ولم تعد القضية تقتصر على المصالح التجارية أو أرباح الشركات، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الاقتصادي الأسترالي، خاصة مع سعي كانبرا إلى تنويع مصادر المعادن الحيوية وتقليل اعتمادها على الصين.

أفريقيا تسعى للسيطرة على ثرواتها

شهدت العاصمة الغانية أكرا، خلال الفترة من 19 إلى 21 أكتوبر، انعقاد المنتدى الأفريقي لسياسات المعادن، بمشاركة مسؤولين حكوميين ووزراء تعدين وممثلين عن الاتحاد الأفريقي والبنك الأفريقي للتنمية.

وركزت المناقشات على مفهوم «السيادة المعدنية»، الذي يمنح الحكومات الأفريقية دوراً أكبر في تحديد كيفية استخراج الموارد الطبيعية ومعالجتها وتسويقها، بدلاً من ترك القرارات الأساسية للشركات الأجنبية.

وأكد الرئيس الغاني جون ماهاما أهمية التعاون بين الدول الأفريقية لتعزيز قدرتها التفاوضية، داعياً إلى تنسيق السياسات المتعلقة بالضرائب والإتاوات المعدنية والتصنيع المحلي.

وتسعى غانا إلى وقف تصدير الخامات المعدنية غير المعالجة بحلول عام 2030، إلى جانب تطوير قدراتها في تكرير الذهب محلياً، بما يضمن الاحتفاظ بجزء أكبر من العائدات الاقتصادية داخل البلاد.

الصين تعزز نفوذها في قطاع التعدين

تأتي التحركات الأفريقية في ظل منافسة دولية متصاعدة على المعادن الحيوية، خصوصاً بين الصين والولايات المتحدة.

وخلال السنوات الماضية، عززت بكين وجودها في قطاع التعدين الأفريقي من خلال الاستحواذ على مشروعات كبرى، والاستثمار في البنية التحتية، وتوسيع علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع الحكومات المحلية.

ومن أبرز الأمثلة استحواذ شركة صينية على منجم أكيم للذهب في غانا، إلى جانب النفوذ الصيني الواسع في قطاع الكوبالت بجمهورية الكونغو الديمقراطية.

ويمنح هذا الحضور الصين موقعاً مؤثراً في سلاسل إمداد المعادن المستخدمة في البطاريات والتكنولوجيا الحديثة والصناعات الاستراتيجية.

فرص وتحديات أمام أستراليا

تمتلك شركات أسترالية استثمارات مهمة في قطاع التعدين الأفريقي، من بينها شركة بيرسيوس للتعدين التي تدير مشروعات للذهب في غانا وتنزانيا، إضافة إلى استثمارات أسترالية مرتبطة بقطاع الجرافيت في موزمبيق.

لكن السياسات الجديدة قد تفرض على هذه الشركات التزامات إضافية، تشمل زيادة التصنيع المحلي وتوظيف العمالة الوطنية والمشاركة في تنمية المجتمعات المحيطة بالمناجم.

ويرى الطرح الاستراتيجي أن أستراليا بحاجة إلى تجاوز الاعتماد على شركاتها الخاصة وحدها، والعمل مباشرة مع الحكومات الأفريقية والاتحاد الأفريقي لبناء شراكات طويلة الأجل.

وتشمل هذه الشراكات الاستثمار في التدريب والبنية التحتية، ودعم المشروعات المجتمعية، والالتزام بمعايير حماية البيئة وحقوق العمال.

التعاون بدلاً من المنافسة التقليدية

تشير التطورات الأخيرة إلى أن الدول الأفريقية لم تعد ترغب في الاكتفاء بتصدير المواد الخام، بل تسعى إلى إنشاء صناعات محلية تحقق قيمة اقتصادية أكبر وتوفر فرص عمل لمواطنيها.

وفي المقابل، تمتلك أستراليا فرصة للاستفادة من خبراتها الفنية وسمعة شركاتها في مجالات التعدين المسؤول والاستدامة.

ويؤكد تقرير برلماني أسترالي حديث أن البلاد، باعتبارها اقتصاداً متوسط الحجم، ينبغي أن تنافس من خلال الجودة والمعايير المرتفعة، وليس بحجم الاستثمارات وحده.

وفي ظل احتدام المنافسة العالمية على المعادن الحيوية، قد يتوقف نجاح أستراليا في أفريقيا على قدرتها على احترام السيادة الاقتصادية للدول المضيفة وتقديم فوائد ملموسة للمجتمعات المحلية.

وبذلك تصبح الشراكة العادلة مع أفريقيا ضرورة استراتيجية لضمان استقرار إمدادات المعادن الأسترالية، وليس مجرد خيار تجاري.