كشفت دراسة أسترالية حديثة عن تراجع ثقة المواطنين في الأوضاع العامة للبلاد، وسط مخاوف متزايدة بشأن تكاليف المعيشة والسكن والأمن الاقتصادي. ورغم هذه النظرة القلقة، أظهرت النتائج اتفاقاً واسعاً بين الأستراليين حول شكل المستقبل الذي يتطلعون إلى توفيره للأجيال القادمة.

وجاءت هذه النتائج ضمن مؤشر الرفاهية الأسترالي لعام 2026، الذي تصدره مؤسسة Australian Unity بالتعاون مع جامعة ديكين، ويقيس منذ أكثر من 25 عاماً مدى رضا الأستراليين عن حياتهم الشخصية والأوضاع العامة في البلاد.

وشارك في الاستطلاع أكثر من 10 آلاف شخص خلال شهري أبريل ومايو، قبل أن يعود الباحثون لاستطلاع آراء نحو 1500 مشارك في سبتمبر لرصد التغيرات في مشاعر المواطنين.

تراجع الرضا عن الأوضاع العامة

أظهرت النتائج أن مستوى الرفاهية الشخصية ظل مستقراً نسبياً مقارنة بعام 2025، مسجلاً 67.2 نقطة من أصل 100 خلال الفترة الأولى من الاستطلاع، قبل أن يتراجع بمقدار 1.1 نقطة في سبتمبر.

وشملت أبرز مصادر القلق الشعور بالأمان الشخصي، والاستقرار المالي، والقدرة على الحفاظ على مستوى معيشي مناسب.

أما مؤشر الرفاهية الوطنية، فقد سجل انخفاضاً أكبر بلغ 3.2 نقاط، ليستقر عند 54.8 نقطة من أصل 100، نتيجة تراجع رضا المواطنين عن الأداء الاقتصادي والحكومي.

الشباب وأصحاب الدخل المحدود الأكثر تأثراً

سلط التقرير الضوء على الفجوة المستمرة بين الفئات الاجتماعية، حيث سجل العاطلون عن العمل وأصحاب الدخول المنخفضة مستويات أقل من الرضا عن الحياة.

كما كشفت النتائج عن ضغوط نفسية واضحة بين الشباب، إذ أفاد 56.1% من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً بمعاناتهم من مستويات مرتفعة أو مرتفعة جداً من الضيق النفسي، بينما أشار 45.7% إلى شعورهم بالوحدة ولو لبعض الوقت.

وتعكس هذه الأرقام حجم التحديات التي تواجه الأجيال الشابة في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على السكن وتزايد المخاوف المتعلقة بالمستقبل.

أزمة السكن تتصدر المخاوف

احتلت تكاليف السكن المرتبة الأولى بين القضايا التي يخشى الأستراليون تأثيرها على الأجيال القادمة.

فقد اعتبر 83.4% من المشاركين أن ارتفاع أسعار المساكن سيترك آثاراً سلبية كبيرة على مستقبل الشباب، فيما توقع سبعة من كل عشرة أشخاص تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً أن تؤثر أزمة السكن سلباً على حياتهم الشخصية.

ورغم إعلان الحكومة الفيدرالية إجراءات لمعالجة أزمة الإسكان ضمن ميزانية مايو، لم تسجل آراء المشاركين تحسناً ملحوظاً بشأن هذه القضية بحلول سبتمبر.

وفي الوقت نفسه، تزايد القلق من تأثير الذكاء الاصطناعي على الحياة اليومية، حيث ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يتوقعون تأثيرات سلبية لهذه التكنولوجيا بمقدار 9.3 نقاط مئوية خلال أربعة أشهر.

اتفاق واسع حول مستقبل أستراليا

ورغم الاختلافات الاقتصادية والاجتماعية، أظهرت الدراسة تقارباً لافتاً بين المواطنين بشأن مستقبل بلادهم.

فقد عبّر المشاركون عن رغبتهم في بناء أستراليا أكثر أماناً وعدالة، تتمتع باقتصاد قوي، وتوفر السكن بأسعار مناسبة، وتحافظ على البيئة وتدعم الترابط الاجتماعي.

كما أكد 62.7% من المشاركين شعورهم بالمسؤولية تجاه رفاهية الأجيال القادمة، في مؤشر على استعداد المجتمع للمساهمة في بناء مستقبل أفضل.

ويرى الباحثون أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على قياس رضا المواطنين، بل يتمثل في تحويل هذه التطلعات إلى سياسات حكومية وقرارات طويلة الأمد.

وتشير النتائج في النهاية إلى أن الأستراليين، رغم قلقهم من الحاضر، ما زالوا يتفقون على المبادئ الأساسية التي يريدون أن تقوم عليها بلادهم مستقبلاً، وفي مقدمتها العدالة والاستقرار الاقتصادي والأمان الاجتماعي.