تواجه أستراليا تحدياً اقتصادياً وبيئياً متزايداً بسبب هدر الطعام، الذي يكلف الاقتصاد الوطني أكثر من 36 مليار دولار سنوياً، في وقت تعاني فيه ملايين الأسر من صعوبات في توفير احتياجاتها الغذائية الأساسية.
وتشير البيانات الحكومية إلى أن أستراليا تهدر نحو 7.6 مليون طن من الطعام سنوياً، رغم أن حوالي 70% من هذه الكميات لا يزال صالحاً للاستهلاك. ولا تقتصر المشكلة على الخسائر المالية، بل تمتد إلى زيادة النفايات والانبعاثات الضارة بالبيئة.
المطاعم والفنادق تتحمل خسائر ضخمة
يُعد قطاع الضيافة من أبرز القطاعات المتأثرة بهدر الطعام، إذ يتخلص سنوياً من نحو 1.2 مليون طن من المواد الغذائية، بتكلفة اقتصادية تصل إلى 6.4 مليار دولار، وبمتوسط خسائر يبلغ نحو 66 ألف دولار لكل منشأة سنوياً.
وتوضح خبيرة إدارة النفايات بليندا تشيلينغوورث أن كثيراً من أصحاب الأعمال لا يدركون التكلفة الحقيقية للطعام المهدر، لأن الخسائر تتوزع بين شراء المواد الغذائية وتخزينها وتحضيرها والتخلص منها.
وفي تجربة عملية بمدينة سيدني، تمكن كارل رايزبورو، صاحب حانة ومصنع للجعة، من تقليل النفايات بصورة ملحوظة بعدما بدأ إعادة استخدام مخلفات الحبوب الناتجة عن صناعة الجعة في أغراض زراعية وتغذية الحيوانات.
وساعدته هذه الخطوة على خفض عدد مرات جمع النفايات من مرتين أسبوعياً إلى مرة واحدة كل أسبوعين، محققاً وفراً سنوياً يقارب 5 آلاف دولار.
ضغوط متزايدة على البيئة
لا تتوقف آثار هدر الطعام عند الخسائر الاقتصادية، بل تشمل أيضاً الضغط على مكبات النفايات التي تقترب من طاقتها الاستيعابية في عدد من الولايات الأسترالية.
وتشير التقديرات إلى احتمال امتلاء بعض مواقع التخلص من النفايات في نيو ساوث ويلز خلال أربع سنوات، بينما تواجه مواقع في بيرث تحديات أكثر إلحاحاً.
كما يؤدي تحلل المخلفات الغذائية في المكبات إلى إنتاج غاز الميثان، الذي يساهم في الاحتباس الحراري، مما يجعل تقليل هدر الطعام خطوة مهمة لمواجهة تغير المناخ.
هل تستطيع أستراليا تحقيق أهداف 2030؟
تسعى الحكومة الأسترالية إلى خفض هدر الطعام إلى النصف بحلول عام 2030، إلا أن بعض الخبراء يشككون في إمكانية تحقيق هذا الهدف بالوتيرة الحالية.
ويرى البروفيسور يوهانس لو كوتر، من جامعة نيو ساوث ويلز، أن المسافات الجغرافية الكبيرة وتعقيدات سلاسل الإمداد الغذائي تجعل معالجة المشكلة أكثر صعوبة.
وفي المقابل، أعلنت الحكومة استثمارات تشمل 37 مليون دولار لتطوير مرافق إعادة تدوير النفايات العضوية، و30 مليون دولار لدعم الأبحاث المتخصصة، إضافة إلى 10 ملايين دولار لحملة توعية تشجع الأسر على تقليل الهدر.
فائض الطعام قد يساعد الأسر المحتاجة
تزداد أهمية معالجة هذه المشكلة مع مواجهة نحو 3.5 مليون أسرة أسترالية صعوبات تتعلق بتوفير الغذاء.
ويؤكد الخبراء أن التبرع بالأطعمة الصالحة للاستهلاك بدلاً من التخلص منها يمكن أن يساهم في تخفيف الضغوط المعيشية، خاصة أن القوانين الأسترالية توفر حماية للمتبرعين عند الالتزام بشروط السلامة الغذائية.
وتبرز تجارب دولية ناجحة، مثل فرنسا التي تلزم بعض المتاجر الكبرى بالتبرع بالأطعمة الصالحة، وهولندا التي تنفذ حملات مستمرة للحد من الهدر المنزلي.
وفي النهاية، يرى المختصون أن مواجهة هدر الطعام تتطلب تعاون الحكومات والشركات والمستهلكين، من خلال تحسين إدارة المخزون، وتشجيع إعادة التدوير، وتوسيع برامج التبرع الغذائي.
فالطعام الذي ينتهي اليوم في سلة المهملات قد يمثل غداً وجبة ضرورية لأسرة تحتاج إليه، أو فرصة حقيقية لتوفير ملايين الدولارات وحماية البيئة.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

