قبل أكثر من أربعة عقود، شهدت أستراليا واقعة غامضة لا تزال دون حل، بعدما أقدم شخص مجهول على نشر فطر نباتي بهدف الحد من انتشار شجيرات التوت الأسود، في خطوة سرية وغير قانونية أثارت جدلاً واسعاً حول الأمن الحيوي وحماية البيئة.
بدأت القصة خلال صيف عامي 1983 و1984، عندما ظهر فطر يُعرف باسم Phragmidium violaceum، أو «صدأ التوت الأسود»، على نباتات في ولاية فيكتوريا. وكان العلماء يدرسون بالفعل إمكانية استخدام هذا الفطر لمكافحة النبات، لكن ظهوره المفاجئ سبق الموافقة الرسمية على إطلاقه.
كيف أصبح التوت الأسود مشكلة في أستراليا؟
وصل التوت الأسود إلى أستراليا من بريطانيا خلال أربعينيات القرن التاسع عشر، وكان يُزرع في البداية للاستفادة من ثماره اللذيذة واستخدامه كسياج طبيعي.
لكن النبات انتشر بسرعة كبيرة بمساعدة الطيور والحيوانات التي تتغذى على ثماره وتنقل بذوره إلى مناطق جديدة.
وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، تحول إلى مشكلة زراعية حقيقية، بعدما غطت شجيراته الشائكة مساحات واسعة من الأراضي، وأصبحت إزالتها مهمة صعبة ومكلفة للمزارعين.
ورغم محاولات المكافحة التي بدأت في تسعينيات القرن التاسع عشر، ظل النبات قادراً على الانتشار ومقاومة العديد من وسائل السيطرة التقليدية.
فطر غامض يثير الشكوك
خلال الستينيات والسبعينيات، بدأ باحثون أستراليون دراسة استخدام فطر صدأ التوت الأسود باعتباره وسيلة طبيعية للحد من نمو النبات وتكاثره.
وفي أوائل الثمانينيات، أُرسل الباحث إليجيو بروزيزي إلى فرنسا لإجراء تجارب على الفطر والتأكد من تأثيره على النباتات الأخرى.
لكن المفاجأة جاءت في فبراير 1984، عندما اكتُشف الفطر على شجيرات التوت الأسود بالقرب من بلدة يارام في فيكتوريا، قبل أن يظهر في مناطق أخرى تبعد أكثر من 100 كيلومتر.
وأثار الانتشار السريع تساؤلات حول احتمال قيام شخص بإدخال الفطر ونشره عمداً دون تصريح رسمي.
وكانت العقوبات المحتملة على مثل هذا التصرف تصل إلى غرامة قدرها 100 ألف دولار أسترالي أو السجن لمدة خمس سنوات.
من المسؤول عن نشر الفطر؟
اعتقدت السلطات آنذاك أن مزارعاً غاضباً من الأضرار التي تسببها شجيرات التوت الأسود ربما كان وراء العملية، لكن لم تظهر أدلة حاسمة تؤكد هذه الفرضية.
وتشير دراسة تاريخية حديثة إلى أن دوافع الفاعل المجهول ربما تجاوزت حماية الأراضي الزراعية، إذ كان النبات يسبب مشكلات أيضاً للمتنزهين وراكبي الخيل والدراجات، فضلاً عن إغلاق بعض الممرات والمجاري المائية.
ورغم التحقيقات والتكهنات، بقيت هوية الشخص المسؤول مجهولة حتى اليوم.
هل نجحت التجربة؟
لم يحقق الفطر النتائج التي ربما توقعها الشخص الذي نشره. فقد ساعد على إضعاف نمو التوت الأسود، لكنه لم يتمكن من القضاء عليه.
وفي عام 1991، بدأت السلطات الأسترالية إطلاق سلالات إضافية من الفطر بصورة رسمية، ضمن برامج المكافحة البيولوجية.
ومع ذلك، لا تزال مكافحة النبات تعتمد بدرجة كبيرة على المبيدات والإزالة اليدوية، بسبب قدرته المستمرة على الانتشار.
وتشير تقديرات حكومية لعام 2017 إلى أن التوت الأسود كان يكلف الاقتصاد الأسترالي أكثر من 100 مليون دولار سنوياً نتيجة خسائر الإنتاج وتكاليف المكافحة.
نبات ضار لكنه مفيد لبعض الحيوانات
على الجانب الآخر، لا ينظر الجميع إلى التوت الأسود باعتباره نباتاً ضاراً بالكامل. فثماره تمثل غذاءً لبعض الطيور والحيوانات، كما توفر شجيراته الكثيفة مأوى لأنواع محلية، من بينها حيوان البانديكوت.
ويرتبط النبات أيضاً بذكريات أجيال من الأستراليين الذين اعتادوا جمع ثماره من المناطق الريفية.
وبعد ما يقرب من 200 عام على وصوله إلى البلاد، أصبح التوت الأسود جزءاً من المشهد الطبيعي في مناطق عديدة، رغم تصنيفه ضمن الأعشاب الضارة ذات الأهمية الوطنية.
وتبقى واقعة نشر الفطر سراً من أغرب القصص المرتبطة بمكافحة النباتات الغازية في أستراليا، وتذكيراً بأن محاولة حل مشكلة بيئية دون رقابة علمية قد تفتح الباب أمام مخاطر غير متوقعة.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

