في واحدة من القصص الإنسانية غير المعروفة على نطاق واسع من تاريخ أستراليا، نجحت مجموعة من اللاجئين الأوروبيين خلال الحرب العالمية الثانية في تحويل معسكرات اعتقالهم إلى مراكز للتعليم والمعرفة، بعدما وجدوا أنفسهم خلف الأسوار رغم فرار كثير منهم من الاضطهاد النازي.
بدأت القصة عام 1940، عندما نقلت بريطانيا نحو 2500 معتقل على متن السفينة «دونيرا» إلى أستراليا. وكان بين هؤلاء أساتذة جامعات وأطباء وفنانون وموسيقيون وطلاب، معظمهم من الألمان والنمساويين الذين اعتُبروا «أجانب أعداء» بسبب جنسياتهم، رغم أن العديد منهم كانوا ضحايا للنظام النازي.
وخلال الرحلة البحرية التي استمرت 57 يوماً، قرر المعتقلون عدم الاستسلام لظروفهم القاسية، فأسسوا جامعة مصغرة على متن السفينة، ووضعوا نظاماً لتنظيم الدراسة وتبادل الخبرات.
جامعات خلف الأسوار
بعد وصولهم إلى أستراليا، استمر المشروع التعليمي داخل معسكري تاتورا في ولاية فيكتوريا وهاي في نيو ساوث ويلز. وشملت الدروس الرياضيات والقانون واللغات والمحاسبة والموسيقى والرسم، في تجربة أثبتت قدرة الإنسان على مواصلة التعلم حتى في أصعب الظروف.
وكان من أبرز المشاركين الباحث الألماني ليونهارد آدم، الذي تولى دوراً قيادياً في جامعة المعسكر المعروفة باسم «كوليجيوم تاتورينسي».
وكان آدم قد فقد حقه في ممارسة المحاماة بألمانيا بسبب أصوله اليهودية، قبل أن يفر إلى بريطانيا ثم يُعتقل ويُنقل إلى أستراليا. وخلال احتجازه، درّس القانون واللغة الصينية وعلم الأعراق، قبل أن ينضم بعد إطلاق سراحه عام 1942 إلى جامعة ملبورن باحثاً متخصصاً في ثقافات السكان الأصليين وفنونهم.
حلم طالب في دراسة الطب
ومن القصص المؤثرة أيضاً قصة الطالب كورت هنلي، الذي تعطلت دراسته بسبب الحرب والاعتقال، لكنه واصل تعليمه داخل المعسكر بمساعدة المعتقلين.
وسعت الناشطة الأسترالية مارغريت بيرس إلى مساعدته في الالتحاق بكلية الطب بجامعة ملبورن، ونجحت في الحصول على موافقة الجامعة، لكن السلطات رفضت الإفراج عنه لمتابعة دراسته إلا إذا التحق بالخدمة العسكرية.
وبعد انتهاء الحرب، عاد هنلي إلى بريطانيا لاستكمال تعليمه، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة، حيث أصبح أستاذاً متخصصاً في أمراض الجهاز الهضمي.
دروس من الماضي للمستقبل
تعكس هذه التجربة أهمية التعليم بالنسبة للاجئين، ليس فقط باعتباره وسيلة للحصول على وظيفة، بل أيضاً للحفاظ على الكرامة الإنسانية وبناء مستقبل جديد.
ورغم مرور عقود على الحرب العالمية الثانية، لا تزال العقبات القانونية والإدارية تمنع كثيراً من اللاجئين حول العالم من الوصول إلى التعليم الجامعي.
وفي أستراليا، شهدت السنوات الأخيرة خطوات لتحسين فرص التعليم، من بينها تغييرات أُدخلت عام 2023 أتاحت لفئات من حاملي تأشيرات الحماية الوصول إلى التعليم العالي المدعوم حكومياً، إلى جانب تجربة مسارات جديدة لإعادة توطين اللاجئين عبر الجامعات.
وتبقى قصة جامعات معسكرات الاعتقال الأسترالية شاهداً على أن المعرفة يمكن أن تزدهر حتى خلف الأسوار، وأن التعليم قد يمنح الإنسان الأمل عندما يفقد حريته واستقراره.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

