تتجه أستراليا نحو فرصة اقتصادية جديدة قد تغير مفهوم الاستثمار في البنية التحتية، بعدما بدأت تتزايد الدعوات إلى التعامل مع المحيطات والأنظمة البيئية البحرية باعتبارها أصولاً اقتصادية تحتاج إلى تمويل مستدام، تماماً مثل الطرق والجسور وشبكات الكهرباء.

ورغم أن أستراليا تخصص استثمارات ضخمة لتطوير بنيتها التحتية التقليدية، فإن حماية المحيطات لا تزال تعتمد في كثير من الأحيان على المنح المؤقتة والتبرعات والمبادرات البيئية قصيرة الأجل، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة هذه المشروعات على تحقيق نتائج مستمرة.

اقتصاد بحري بمليارات الدولارات

تشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن الصناعات المرتبطة بالمحيطات والمصبات المائية الأسترالية تحقق إنتاجاً اقتصادياً يبلغ نحو 229 مليار دولار، وتوفر ما يقرب من 712 ألف وظيفة، بما يعادل 9.1% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتكشف هذه الأرقام أهمية الاقتصاد البحري بالنسبة لأستراليا، لكنها تبرز أيضاً الحاجة إلى تطوير آليات تمويل تضمن حماية الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها هذه الصناعات.

وفي المقابل، تمتلك البلاد برنامجاً للاستثمارات العامة في البنية التحتية بقيمة 242 مليار دولار، مما يعكس الفارق بين أساليب تمويل المشروعات التقليدية والمبادرات البيئية البحرية.

خطوات حكومية نحو مستقبل مستدام

بدأت أستراليا بالفعل اتخاذ خطوات لتعزيز إدارة مواردها البحرية، من بينها تطوير الحسابات الوطنية للمحيطات، التي تهدف إلى قياس الحالة البيئية للأنظمة البحرية إلى جانب قيمتها الاقتصادية.

كما أطلقت خطة المحيطات المستدامة التي تمتد حتى عام 2040، بهدف تحقيق التوازن بين حماية البيئة البحرية واستمرار الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.

وتدعم البلاد أيضاً برامج علمية وتقنيات متقدمة لمراقبة صحة المحيطات، من بينها مشروعات تشارك فيها منظمة الأبحاث العلمية والصناعية الأسترالية CSIRO.

لكن الخبراء يرون أن وضع الخطط وحده لا يكفي، إذ تحتاج المشروعات إلى مؤسسات مسؤولة عن تنفيذها، وتمويل طويل الأجل، وأنظمة واضحة لقياس النتائج.

مكافحة التلوث نموذج للاستثمار المستمر

تمثل النفايات البلاستيكية التي تصل إلى المحيطات مثالاً واضحاً على أهمية تغيير أساليب التمويل.

فمعظم هذه النفايات ينتقل عبر الأنهار، مما يجعل تركيب الحواجز لجمع المخلفات قبل وصولها إلى البحر أحد الحلول الممكنة.

غير أن نجاح هذه المشروعات لا يتوقف على تركيب المعدات فقط، بل يتطلب صيانتها وتشغيلها باستمرار، إلى جانب توفير أنظمة لجمع النفايات ومعالجتها وقياس الكميات التي يتم التخلص منها.

وينطبق الأمر نفسه على استعادة غابات المانغروف، وحماية السواحل، وتطوير محطات معالجة مياه الصرف الصحي.

فرص استثمارية تتجاوز الحدود الأسترالية

يمكن لأستراليا الاستفادة من خبراتها الهندسية والعلمية والمالية لمساعدة دول المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا على تطوير مشروعات لحماية السواحل والبيئة البحرية، وجعلها أكثر استعداداً لجذب المستثمرين.

وتختلف مصادر التمويل المناسبة لهذه المشروعات؛ فبعضها يحتاج إلى دعم حكومي، بينما يستطيع البعض الآخر جذب استثمارات تجارية أو الاعتماد على اتفاقيات تمويل مرتبطة بنتائج بيئية قابلة للقياس.

ومن المنتظر أن تحظى هذه القضية باهتمام خلال مؤتمر المناخ COP31، حيث يمكن لأستراليا الاستفادة من دورها في رئاسة المفاوضات لتعزيز التعاون الدولي بشأن حماية المحيطات.

وفي النهاية، قد لا تكون البنية التحتية المستقبلية لأستراليا محصورة في الطرق والموانئ وشبكات الطاقة، بل قد تشمل أيضاً الأنظمة الطبيعية الموجودة تحت سطح المياه، باعتبارها موارد حيوية تستحق استثمارات طويلة الأجل تحافظ على البيئة وتدعم الاقتصاد في الوقت نفسه.