تواجه أستراليا اختباراً حقيقياً في علاقتها بدول المحيط الهادئ، مع تصاعد المطالب الإقليمية باتخاذ خطوات عملية لمواجهة تغير المناخ وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. فلم تعد هذه الدول تكتفي بالوعود السياسية أو الاتفاقيات الدبلوماسية، بل أصبحت تطالب بمشروعات ملموسة تضمن مستقبلاً أكثر أمناً واستدامة لشعوبها.
وخلال الاجتماعات التحضيرية لمؤتمر المناخ في فيجي وتوفالو، أكد عدد من قادة المنطقة ضرورة الانتقال من التصريحات إلى التنفيذ، من خلال توفير التمويل اللازم لمشروعات الطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية، وتدريب الكوادر المحلية على تشغيل الأنظمة الحديثة وصيانتها.
وشدد رئيس بالاو، سورانجيل ويبس جونيور، على أهمية قياس نجاح المبادرات المناخية بنتائج واضحة، مثل تشغيل مشروعات الطاقة النظيفة، وخفض استهلاك الديزل، وتحسين الخدمات المقدمة للمجتمعات المحلية.
تناقض بين الالتزامات المناخية وصادرات الوقود
تواجه الحكومة الأسترالية انتقادات بسبب استمرار دعم إنتاج الفحم والغاز وتصديرهما، في الوقت الذي تؤكد فيه التزامها بمساعدة جيرانها على مواجهة التغير المناخي.
وترى الأصوات المطالبة بتسريع التحول أن هذا التناقض يضعف مصداقية أستراليا، خصوصاً أن الدول الجزرية الصغيرة تتحمل جانباً كبيراً من آثار ارتفاع درجات الحرارة ومستويات البحار، رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات العالمية.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة الأسترالية أهمية استمرار إمدادات الطاقة التقليدية لتلبية احتياجات الأسواق خلال المرحلة الانتقالية.
الطاقة المتجددة طريق نحو الاستقلال الاقتصادي
يمثل التوسع في الطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء واستخدام المعدات الكهربائية عالية الكفاءة فرصة مهمة لدول المحيط الهادئ، التي تعتمد العديد منها على استيراد الوقود بأسعار تتأثر بتقلبات الأسواق العالمية.
ويمكن لهذه المشروعات أن تخفض تكاليف الكهرباء والنقل، وتحسن استقرار الخدمات الأساسية، وتوفر فرص عمل جديدة للسكان.
لكن الخبراء يؤكدون أن نجاح التحول لا ينبغي قياسه فقط بزيادة استهلاك الكهرباء، وإنما أيضاً بمقدار الانخفاض الفعلي في استخدام الوقود الأحفوري، وتحسن جودة الخدمات، ووصول الفوائد إلى المناطق النائية والأسر محدودة الدخل.
تمويل المشروعات وبناء الخبرات المحلية
شهدت قمة Global Citizen NOW في بيرث مناقشات حول فرص تمويل مشروعات مناخية بالتعاون مع 14 دولة من المحيط الهادئ، مع إمكانية حشد استثمارات تصل إلى مليار دولار أمريكي، تشمل منحاً مقترحة بقيمة 250 مليون دولار من صندوق المناخ الأخضر، رهناً بالموافقات اللازمة.
وتبرز أهمية هذه المبادرات في قدرتها على تحويل التمويل إلى مشروعات تعمل فعلياً، مع ضمان مشاركة المجتمعات المحلية في اتخاذ القرارات وتوفير التدريب والصيانة المستمرة.
مسؤولية تبدأ من الداخل الأسترالي
لا تقتصر مسؤولية أستراليا على دعم جيرانها، بل تشمل أيضاً وضع خطة واضحة لتقليل اعتماد اقتصادها على الفحم والنفط والغاز، مع حماية العمال والمناطق التي تعتمد على هذه الصناعات.
ويتطلب ذلك الاستثمار في قطاعات بديلة، وتطوير وسائل النقل الكهربائية، وتوفير برامج تدريب تساعد العاملين على الانتقال إلى وظائف جديدة.
ومع الدور الأسترالي في مفاوضات مؤتمر المناخ COP31، تبرز فرصة لإعادة بناء العلاقات الإقليمية على أساس المساواة والتعاون والمسؤولية المشتركة.
وفي النهاية، فإن الشراكة الحقيقية مع دول المحيط الهادئ لا تقاس بحجم التصريحات أو عدد الاتفاقيات الموقعة، بل بما يتحقق على الأرض من مشروعات طاقة نظيفة، وانخفاض في التكاليف والانبعاثات، وتحسن ملموس في حياة السكان.
فالمستقبل المناخي للمنطقة يحتاج إلى تعاون يقوم على الاستماع المتبادل والعمل المشترك، وليس إلى علاقة تفرض فيها دولة أكبر رؤيتها على جيرانها الأصغر.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

