تواجه أستراليا تحديات اقتصادية متزايدة، وسط تحذيرات من أن استمرار تأجيل الإصلاحات المالية والضريبية قد يدفع البلاد نحو أزمة يصعب احتواؤها خلال السنوات المقبلة. فبين ارتفاع الديون الحكومية وتفاقم أزمة السكن وزيادة تكاليف المعيشة، تتزايد المخاوف من انتقال الأعباء المالية الحالية إلى الأجيال القادمة.
الديون الحكومية تثير القلق
كشف تقرير حديث صادر عن معهد غراتان (Grattan Institute)، بعنوان «إعادة ضبط الميزانية: كيف نمول مستقبل أستراليا»، أن ديون حكومات الولايات تضاعفت أكثر من مرتين منذ عام 2019، لتصل إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ الفترة التي أعقبت إحدى الحروب العالمية.
ولم تتوقف المشكلة عند حجم الديون، بل امتدت إلى تكلفة خدمتها، حيث تضاعفت مدفوعات الفوائد لتبلغ نحو 0.6% من الناتج الاقتصادي السنوي لأستراليا، مع توقعات بارتفاعها مجدداً نتيجة زيادة أسعار الفائدة وتكاليف الاقتراض.
ورغم أن الحكومة الفيدرالية تبدو أكثر انضباطاً في الإنفاق مقارنة ببعض الولايات، فإنها لا تزال تواجه عجزاً هيكلياً في الميزانية، ما يضع ضغوطاً إضافية على قدرتها على تمويل الخدمات العامة مستقبلاً.
الشباب يدفعون ثمن تأخر القرارات
لا تقتصر تداعيات الأزمة على الميزانيات الحكومية، بل تمتد إلى الحياة اليومية للأستراليين، وخاصة الشباب الذين يواجهون صعوبات متزايدة في شراء المنازل وتكوين الأسر.
وأظهر تقرير صادر عن مؤسسة AMP أن أكثر من نصف الأستراليين دون سن الثلاثين غيّروا خططهم المتعلقة بالإنجاب بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، فيما أعاد ما يقرب من نصفهم التفكير في فكرة الإنجاب من الأساس.
كما يرى نحو ثلثي الشباب أن امتلاك منزل يمثل خطوة ضرورية قبل تأسيس أسرة، لكن ارتفاع أسعار العقارات يجعل جمع دفعة أولى تعادل 20% من قيمة المنزل أمراً قد يستغرق أكثر من عشر سنوات.
ويحذر اقتصاديون من أن تأخر تكوين الأسر وانخفاض معدلات الإنجاب قد يؤديان إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد مستقبلاً، خصوصاً مع ارتفاع نسبة كبار السن وتزايد الحاجة إلى خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية.
مقترح لزيادة ضريبة السلع والخدمات
في محاولة لمعالجة هذه التحديات، طرح معهد غراتان مجموعة من الإصلاحات المالية، أبرزها رفع ضريبة السلع والخدمات (GST) من 10% إلى 15%، مع توسيع نطاقها ليشمل بعض السلع المعفاة حالياً، وفي مقدمتها المواد الغذائية الطازجة.
وبحسب تقديرات المعهد، يمكن لهذا التغيير أن يوفر نحو 76 مليار دولار إضافية سنوياً للحكومات، ما يساعد على تقليص العجز وتمويل الاحتياجات المستقبلية.
ويشير التقرير إلى أن إجمالي الضرائب في أستراليا يعادل نحو 29.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمتوسط يبلغ نحو 34% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهو ما يراه المعهد مجالاً لزيادة الإيرادات.
لكن هذه المقترحات تثير تساؤلات بشأن تأثيرها المحتمل على الأسر محدودة الدخل، خاصة أن فرض ضرائب إضافية على المواد الغذائية قد يزيد الأعباء المعيشية ما لم تصاحبه تعويضات مناسبة.
قرارات صعبة لمستقبل الاقتصاد
يرى خبراء أن معالجة الأزمة تتطلب أكثر من مجرد خفض بعض النفقات الحكومية، إذ تحتاج أستراليا إلى إصلاحات متوازنة تشمل الإنفاق العام والنظام الضريبي وسياسات الإسكان.
ويبقى التحدي الأكبر أمام صناع القرار هو تحقيق الاستقرار المالي دون تحميل المواطنين أعباء تفوق قدرتهم، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية العالمية.
ومع تزايد المخاطر المرتبطة بالتغير المناخي والتوترات الدولية وشيخوخة السكان، تبدو الحاجة إلى الإصلاح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن تكلفة تأجيل القرارات اليوم قد تصبح أكبر بكثير في المستقبل.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

