في وقت تواجه فيه أستراليا تحديات متزايدة لتوفير مساكن مناسبة بأسعار معقولة، يبرز مشروع سكني جديد في ضاحية بلمونت بمدينة جيلونج في ولاية فيكتوريا، باعتباره نموذجاً مختلفاً للإسكان الاجتماعي، يجمع بين التصميم المعماري الجيد واحتياجات السكان والحفاظ على الطابع الهادئ للأحياء السكنية.

المشروع الذي صممته شركة Kennedy Nolan لصالح مؤسسة Housing Choices Australia، يقدم 29 شقة سكنية موزعة على مجموعة من المباني المكونة من طابقين، لتحل محل 16 وحدة سكنية قديمة كانت تعاني من تدهور حالتها.

ولم يكن الهدف مجرد زيادة عدد الوحدات السكنية، بل إنشاء بيئة توفر للسكان الراحة والاستقلالية والشعور بالانتماء إلى المجتمع المحيط.

تصميم يضع الإنسان في المقدمة

اعتمد المهندسون المعماريون فكرة المباني المزدوجة، وهي طريقة غير تقليدية نسبياً في المشروعات السكنية، لكنها تساعد على تكوين مجموعات سكنية صغيرة يسهل التعامل معها، خصوصاً بالنسبة للأشخاص الذين يحتاجون إلى دعم أو خدمات اجتماعية.

وراعى التصميم احتياجات ذوي الإعاقة، من خلال توفير شقق مناسبة للكراسي المتحركة ومصاعد وممرات واسعة تسمح بحرية الحركة والتواصل بين السكان.

كما استخدم المشروع مواد بناء متينة، مثل الطوب والأرضيات الخرسانية، إلى جانب ألوان وتفاصيل معمارية تمنح المباني طابعاً منزلياً بعيداً عن الشكل التقليدي لبعض مشروعات الإسكان الاجتماعي.

مساحات خضراء وحلول بيئية

لم تقتصر أهمية المشروع على المباني وحدها، بل امتدت إلى المساحات الخارجية التي صممها مهندس تنسيق المواقع Simon Ellis.

وتضم هذه المساحات حدائق ومناطق لزراعة النباتات، مع نظام لإدارة مياه الأمطار والاحتفاظ بها داخل الموقع، بما يساعد على الاستفادة منها وتقليل الضغط على شبكات تصريف المياه.

كما خُصصت مساحات صغيرة للزراعة يستطيع السكان استخدامها، وهو ما يشجع على التفاعل الاجتماعي ويمنحهم فرصة للمشاركة في تحسين بيئتهم السكنية.

من مخاوف الجيران إلى قبول المشروع

واجه المشروع في بدايته بعض التحفظات من سكان المنطقة، خاصة بسبب موقعه بالقرب من مبنى تاريخي مدرج ضمن قائمة التراث.

لكن بعد اكتماله، حظي بقبول المجتمع المحلي، وأصبح مثالاً على إمكانية دمج الإسكان الاجتماعي داخل الأحياء القائمة دون الإضرار بطابعها العمراني.

ولم يخلُ المشروع من الدروس المهمة، إذ أجرى بعض السكان تعديلات على الشرفات المفتوحة للحصول على مزيد من الخصوصية، وهو ما دفع المصممين إلى التأكيد على ضرورة منح السكان حرية أكبر في تشكيل مساحاتهم الخاصة.

ويقدم هذا المشروع رسالة واضحة إلى المسؤولين عن التخطيط العمراني في أستراليا: نجاح الإسكان الاجتماعي لا ينبغي أن يُقاس بعدد الشقق أو تكلفة البناء فقط، بل أيضاً بمدى قدرة المساكن على توفير حياة كريمة وآمنة ومريحة لسكانها.

وقد يكون هذا النموذج خطوة مهمة نحو إعادة تطوير مواقع الإسكان الاجتماعي القديمة في المدن الأسترالية، مع تحقيق التوازن بين زيادة المعروض السكني وجودة الحياة.