تواجه أستراليا تحدياً متزايداً في سياستها الخارجية، مع تصاعد النفوذ الصيني وتراجع اليقين بشأن مستقبل النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ عقود. وبينما تواصل كانبيرا تعزيز تحالفاتها العسكرية والأمنية مع واشنطن، تتبنى دول جنوب شرق آسيا نهجاً مختلفاً يقوم على المرونة والمصالح المشتركة وتجنب الانحياز الكامل إلى أي قوة عالمية.
ويثير هذا الاختلاف تساؤلاً مهماً: هل تستطيع أستراليا الاستفادة من تجارب جيرانها والتكيف مع عالم لم تعد فيه القوة حكراً على دولة واحدة؟
أستراليا والصين.. مخاوف وتحالفات
خلال السنوات الماضية، اتخذت الحكومات الأسترالية إجراءات متعددة للحد من التدخلات الأجنبية، وشددت الرقابة على الاستثمارات الخارجية والتعاون الأكاديمي مع المؤسسات الأجنبية، في ظل مخاوف متزايدة من اتساع النفوذ الصيني.
وفي الوقت نفسه، عززت أستراليا علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة من خلال اتفاقية AUKUS والشراكة الرباعية Quad التي تضم أيضاً اليابان والهند.
وتعكس هذه التحركات رغبة كانبيرا في الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ومنع أي قوة منفردة من فرض سيطرتها على المنطقة.
لكن المفارقة أن دول جنوب شرق آسيا، الأقرب جغرافياً إلى الصين، لا تتعامل مع صعود بكين بالطريقة نفسها.
جنوب شرق آسيا تختار المصالح بدلاً من المواجهة
رغم القلق الذي تبديه بعض دول المنطقة تجاه السياسات الصينية، فإن حكوماتها لا ترغب في الدخول ضمن تحالف يستهدف بكين بصورة مباشرة.
وبدلاً من ذلك، تعتمد استراتيجية تُعرف باسم التحوط الاستراتيجي، تقوم على تطوير العلاقات الاقتصادية مع الصين، مع الاحتفاظ بشراكات سياسية وأمنية مع الولايات المتحدة واليابان والهند وقوى دولية أخرى.
وتمنح هذه السياسة دول المنطقة مساحة أكبر للمناورة، وتساعدها على حماية مصالحها دون الانجرار إلى صراع بين القوى الكبرى.
وتعود جذور هذا التوجه إلى التجارب التاريخية لدول جنوب شرق آسيا، التي عاشت فترات طويلة تحت الاستعمار، ثم واجهت تحديات بناء الدولة وتحقيق التنمية الاقتصادية.
ولهذا أصبحت البراغماتية جزءاً أساسياً من رؤيتها للعلاقات الدولية، حيث تتقدم المصالح الوطنية والاستقرار الاقتصادي على الالتزام المطلق بالتحالفات الأيديولوجية.
اختلاف النظرة إلى النظام العالمي
تنظر أستراليا إلى النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية باعتباره أساساً للاستقرار، بفضل المؤسسات الدولية والقوانين المنظمة للعلاقات بين الدول وحرية التجارة.
وترتبط هذه الرؤية بعلاقتها التاريخية مع القوى الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا.
أما دول جنوب شرق آسيا، فتتعامل مع هذا النظام بحذر أكبر، لأنها لم تشارك بصورة مؤثرة في تأسيسه، ولأن بعض القوى التي وضعته كانت في السابق قوى استعمارية.
ولا يعني ذلك رفضها للقانون الدولي أو المؤسسات متعددة الأطراف، بل رغبتها في نظام أكثر توازناً يراعي مصالح الدول النامية.
كما ترى هذه الدول أن التنافس الحاد بين القوى الكبرى قد يمثل خطراً على الاستقرار الإقليمي يفوق أحياناً الخطر الذي تمثله قوة بعينها.
الولايات المتحدة والصين.. حسابات مختلفة
تزداد تعقيدات المشهد مع السياسات التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تثير تساؤلات بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي بالقواعد والمؤسسات الدولية.
وفي المقابل، يواصل الرئيس الصيني شي جين بينغ توسيع الحضور الاقتصادي والسياسي لبلاده في آسيا ومناطق أخرى من العالم.
وبالنسبة إلى عدد من دول جنوب شرق آسيا، لا يتعلق الأمر بتحديد أي القوتين أكثر قبولاً من الناحية السياسية، وإنما بكيفية التعامل مع نفوذهما دون التضحية بالاستقرار والمصالح الوطنية.
ويظهر هذا التوجه أيضاً في انفتاح بعض دول المنطقة على روسيا، ومن بينها إندونيسيا، التي تسعى إلى تنويع علاقاتها الدولية وتعزيز مكانتها الاقتصادية والاستراتيجية.
هل تحتاج أستراليا إلى تغيير سياستها؟
مع تحول العالم تدريجياً نحو تعددية الأقطاب، قد تجد أستراليا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم بعض افتراضاتها التقليدية بشأن القوة والتحالفات الدولية.
فالتجربة الآسيوية تشير إلى أن الحفاظ على العلاقات مع أطراف متنافسة لا يعني بالضرورة التخلي عن المبادئ، وإنما قد يكون وسيلة لتقليل المخاطر وحماية المصالح.
ولا يتطلب ذلك من كانبيرا التخلي عن تحالفها مع واشنطن، لكنه قد يدفعها إلى منح علاقاتها مع جيرانها الآسيويين وزناً أكبر، وفهم أولوياتهم بعيداً عن منطق المنافسة الأمريكية الصينية وحده.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل تواصل أستراليا الدفاع عن النظام الدولي الذي اعتادت عليه، أم تتبنى سياسة أكثر مرونة تساعدها على التعامل مع موازين القوى الجديدة؟
قد تكون الإجابة عن هذا السؤال حاسمة في تحديد مكانة أستراليا ودورها في المنطقة خلال العقود المقبلة.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

