تواجه أستراليا تحدياً متزايداً في الحفاظ على مكانتها كوجهة مفضلة للمهاجرين المهرة، مع ارتفاع معدلات البطالة وتزايد المخاوف بشأن مستقبل سوق العمل، في وقت تسعى فيه الأحزاب السياسية إلى إعادة تنظيم سياسات الهجرة وتقليص أعداد الوافدين.

وأظهرت بيانات مكتب الإحصاء الأسترالي أن معدل البطالة بلغ 4.7% خلال سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر 2021، بعد تعديل معدل أغسطس إلى النسبة نفسها. وتشير التوقعات الاقتصادية إلى احتمال استمرار الضغوط على سوق العمل خلال العامين المقبلين.

فرص العمل تحدد قرارات الهجرة

يرى الخبير الاقتصادي أبول رضوي أن قوة سوق العمل تمثل أحد أهم العوامل التي تجذب المهاجرين إلى أستراليا، محذراً من أن تراجع فرص التوظيف قد يدفع بعض المقيمين إلى المغادرة، ويجعل البلاد أقل جاذبية للراغبين في الانتقال إليها.

وأوضح أن حدوث موجة هجرة عكسية واسعة النطاق، مشابهة لما شهدته البلاد خلال الركود الاقتصادي في أوائل التسعينيات، يتطلب ارتفاعاً أكبر بكثير في معدلات البطالة.

خلاف سياسي حول أعداد المهاجرين

تتباين مواقف الأحزاب الأسترالية بشأن مستقبل الهجرة، إذ يقترح الائتلاف المعارض خفض صافي الهجرة الخارجية إلى 100 ألف شخص، مع تقليص بعض فئات التأشيرات المؤقتة والطلابية، وزيادة تأشيرات العمالة الماهرة بمقدار 100 ألف.

ويرى زعيم المعارضة أن التركيز يجب أن ينصب على استقطاب أصحاب المهارات القادرين على رفع الإنتاجية والمساهمة في الاقتصاد، بدلاً من الاعتماد على النمو السكاني وحده.

لكن رضوي انتقد هذه السياسة، معتبراً أنها تجمع بين هدفين يصعب تحقيقهما في الوقت نفسه، وهما تقليص صافي الهجرة وزيادة استقدام العمالة الماهرة، خصوصاً إذا استمر ضعف سوق العمل.

في المقابل، يخطط حزب العمال لخفض صافي الهجرة إلى 225 ألف شخص بحلول عام 2028، بينما يدعو حزب أمة واحدة إلى وضع سقف يبلغ 130 ألف تأشيرة سنوياً، بهدف تخفيف الضغوط على الإسكان والأجور والبنية التحتية.

لماذا يختار المهاجرون أستراليا؟

كشفت دراسة أجراها مركز الدراسات المستقلة، وشملت 3552 ناخباً، أن فرص العمل وتحسين الدخل تأتي في مقدمة الأسباب التي تدفع المهاجرين إلى اختيار أستراليا.

كما أظهرت الدراسة أن نمط الحياة الأسترالي والقيم الاجتماعية والبيئة النظيفة تمثل عوامل جذب مهمة، بينما كانت المساعدات الاجتماعية أقل أهمية للمهاجرين مما يتصوره بعض المواطنين المولودين في أستراليا.

مؤهلات عالية وفرص محدودة

ورغم حاجة الاقتصاد إلى أصحاب الخبرات، لا يزال كثير من المهاجرين يواجهون صعوبات في العثور على وظائف تناسب مؤهلاتهم.

وأشارت أبحاث لجنة التنمية الاقتصادية الأسترالية إلى أن ما يقرب من ربع المهاجرين المهرة الحاصلين على الإقامة الدائمة يعملون في وظائف أقل من مستوى مهاراتهم.

وتشمل أبرز العقبات عدم الاعتراف ببعض المؤهلات الأجنبية، واشتراط الخبرة العملية المحلية، إلى جانب صعوبة الوصول إلى فرص مهنية مناسبة.

وكشف تقرير صادر عن مؤسسة سكانلون عام 2026 أن نحو نصف المشاركين اعتبروا العثور على عمل مناسب أكبر تحدٍّ واجهوه بعد وصولهم إلى أستراليا.

الهجرة تدعم الاقتصاد أيضاً

على الجانب الآخر، تؤكد دراسات اقتصادية دولية أن الهجرة المنظمة يمكن أن تسهم في زيادة الإنتاجية وخلق فرص عمل جديدة، دون أن تؤدي بالضرورة إلى ارتفاع البطالة بين المواطنين.

كما أشارت أبحاث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن العمالة المهاجرة يمكن أن تدعم نشاط الشركات وتزيد كفاءة الاقتصاد، بما يعود بالنفع على العمال المولودين في أستراليا أيضاً.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المهمة الأساسية أمام الحكومة الأسترالية أكثر تعقيداً من مجرد تحديد أعداد المهاجرين، إذ يتطلب الحفاظ على جاذبية البلاد توفير وظائف مناسبة، والاستفادة من المهارات الوافدة، وتحقيق التوازن بين احتياجات الاقتصاد وقدرة الخدمات والبنية التحتية على استيعاب النمو السكاني.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع أستراليا مواصلة جذب الكفاءات العالمية إذا أصبحت فرص العمل أقل وفرة وأكثر تنافسية؟