تشهد أستراليا مرحلة من التحولات السياسية والاجتماعية، مع تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية على المواطنين، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مستقبل النظام الحزبي الذي هيمن على الحياة السياسية لعقود طويلة.
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تناوب حزب العمال والائتلاف الليبرالي الوطني على إدارة البلاد، لكن السنوات الأخيرة كشفت عن تغير واضح في توجهات الناخبين، الذين أصبح بعضهم يبحث عن بدائل سياسية خارج الإطار التقليدي.
تراجع الأحزاب الكبرى وصعود قوى جديدة
شكلت الانتخابات الفيدرالية لعام 2025 نقطة تحول مهمة، بعدما تعرض الائتلاف الليبرالي الوطني لخسارة كبيرة، وفقد زعيم المعارضة السابق بيتر داتون مقعده البرلماني.
وفي المقابل، تمكن حزب العمال بقيادة رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي من الاحتفاظ بالحكومة، رغم أن نسبة الأصوات الأولية التي حصل عليها الحزب عكست استمرار التحديات المتعلقة بشعبيته.
وسط هذه التطورات، برز حزب «أمة واحدة» بقيادة بولين هانسون باعتباره أحد المستفيدين من تراجع التأييد للأحزاب الكبرى. وقد ساعدت مواقفه المتشددة بشأن الهجرة والقضايا الاجتماعية على جذب بعض الناخبين الغاضبين من الأوضاع الاقتصادية والسياسية.
غير أن صعود الحزب أثار أيضاً انتقادات واسعة بسبب خطابه تجاه المهاجرين والأقليات، ومخاوف من زيادة الاستقطاب داخل المجتمع الأسترالي.
الاقتصاد يزيد الضغوط على المواطنين
لا تقتصر الأزمة على المنافسة الحزبية، بل ترتبط أيضاً بارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، وصعوبة امتلاك المنازل، والضغوط التي تواجه الأسر نتيجة أسعار الفائدة وتراجع القدرة الشرائية.
ويشعر كثير من العاملين والشباب بأن التحسن الاقتصادي لا ينعكس بصورة كافية على حياتهم اليومية، بينما تستمر الفجوة بين أصحاب الثروات الكبيرة والفئات محدودة الدخل.
كما تواجه الحكومة انتقادات بشأن سياسات الإنفاق العام، خصوصاً في ظل الالتزامات الدفاعية المتزايدة المرتبطة باتفاقية أوكوس، وما تثيره من نقاش حول الأولويات بين الأمن القومي والخدمات الاجتماعية.
جدل حول سياسات حزب العمال
يرى منتقدو حزب العمال أن الحكومات المتعاقبة، سواء العمالية أو المحافظة، ساهمت في ترسيخ سياسات اقتصادية أعطت مساحة أكبر للأسواق والشركات الكبرى، دون معالجة كافية لمشكلات الأجور والإسكان وعدم المساواة.
ويستشهد هؤلاء بالإصلاحات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال حكومتي بوب هوك وبول كيتنغ، والتي تضمنت تحرير الأسواق والخصخصة وتغييرات واسعة في العلاقات الصناعية.
في المقابل، يرى مؤيدو تلك الإصلاحات أنها ساعدت على تحديث الاقتصاد الأسترالي وتعزيز قدرته التنافسية.
هل تصبح الاشتراكية بديلاً سياسياً؟
في ظل هذه الظروف، تدعو بعض التنظيمات اليسارية، ومنها حزب المساواة الاشتراكي، إلى إعادة النظر في النموذج الاقتصادي القائم، وتوسيع الملكية العامة، وتعزيز حقوق العمال، وتوجيه الموارد بصورة أكبر نحو الإسكان والصحة والتعليم والخدمات الأساسية.
وتعتبر هذه القوى أن معالجة التفاوت الاجتماعي تتطلب تغييرات اقتصادية جذرية، بينما يرى معارضوها أن الإصلاح التدريجي داخل النظام الحالي أكثر واقعية وأقل مخاطرة.
ومع استمرار التحولات السياسية، يبقى السؤال الأهم هو مدى قدرة الأحزاب الأسترالية على استعادة ثقة المواطنين وتقديم حلول ملموسة لمشكلاتهم اليومية.
فمستقبل السياسة الأسترالية لن يتحدد فقط بنتائج الانتخابات، بل أيضاً بقدرة الحكومات والقوى السياسية المختلفة على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والاستقرار الديمقراطي.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

