في عالم الحروب الحديثة، لم تعد الأفضلية دائماً لمن يبتكر أولاً، بل قد تذهب إلى الطرف الذي يراقب الابتكار، ويتعلم منه، ثم يطوره ويطبقه بسرعة أكبر. هذه الفكرة، المعروفة باسم «التقليد السريع» (Fast Following)، يمكن أن تصبح عنصراً مهماً في تطوير قدرات قوات الدفاع الأسترالية خلال السنوات المقبلة.
يقوم هذا النهج على ترك الطرف الآخر يتحمل مخاطر وتكاليف تجربة التكنولوجيا أو التكتيك الجديد، ثم دراسة النتائج والاستفادة من نقاط القوة وتجنب الأخطاء. ومع تسارع التطور في الطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار والذكاء مفتوح المصدر وأنظمة الإنتاج، أصبحت دورة التعلم في ساحات القتال تقاس أحياناً بالأسابيع أو الأيام بدلاً من السنوات.
وتقدم الحرب في أوكرانيا مثالاً واضحاً على ذلك. فمنذ عام 2022، تبادل الطرفان تطوير واستخدام تقنيات الطائرات المسيّرة ووسائل التصدي لها. كما ظهرت تطورات متسارعة في الطائرات المرتبطة بالألياف الضوئية، إضافة إلى المركبات البحرية غير المأهولة التي غيّرت جانباً من طبيعة العمليات في البحر الأسود.
ولم يقتصر الأمر على المعدات العسكرية، بل امتد إلى الهياكل التنظيمية نفسها. فقد أنشأت أوكرانيا قوة متخصصة للأنظمة غير المأهولة، بينما اتجهت روسيا لاحقاً إلى تطوير هياكل مماثلة، في مؤشر على أن التعلم من الخصم أصبح جزءاً أساسياً من الحروب المعاصرة.
بالنسبة لأستراليا، يمكن الاستفادة من هذه التجارب من خلال بناء آلية أكثر سرعة تربط القوات الموجودة في الميدان بالصناعة ونظام المشتريات الدفاعية. فالابتكار العسكري لا يعتمد فقط على امتلاك فكرة جديدة، وإنما على القدرة على تحويلها بسرعة إلى معدات أو تكتيكات قابلة للاستخدام.
كما تحتاج قوات الدفاع الأسترالية إلى متابعة الحروب الجارية بصورة منظمة، ودراسة التقنيات والتكتيكات التي تثبت نجاحها، ثم تقييم مدى ملاءمتها للظروف الأسترالية. فما ينجح في أوكرانيا، على سبيل المثال، قد لا ينتقل مباشرة إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ بسبب اختلاف المسافات والمناخ وطبيعة القوات والبيئة التشغيلية.
وفي الوقت نفسه، لا يعني تبني «التقليد السريع» التخلي عن الابتكار المحلي. الأفضل هو الجمع بين المسارين: تطوير أفكار وتقنيات أسترالية جديدة، مع امتلاك القدرة على التعلم السريع من تجارب الآخرين وتطوير ما يناسب الاحتياجات الوطنية.
ويبقى العنصر البشري أساسياً في نجاح هذه الاستراتيجية. فالقادة العسكريون بحاجة إلى بيئة تشجع التعلم والتجربة والتكيف مع المتغيرات، بدلاً من الاعتماد الكامل على الأساليب التقليدية.
الحروب الأخيرة أظهرت أن التفوق لا يعتمد فقط على من يكتشف التكنولوجيا الجديدة أولاً، بل أيضاً على من يستطيع مراقبتها وفهمها وتحسينها ونشرها بأسرع وقت. وبالنسبة لأستراليا، قد يكون إدخال هذه الثقافة في التدريب والعقيدة العسكرية والمشتريات خطوة مهمة لمواكبة التحولات السريعة في طبيعة الصراعات الحديثة.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

