بينما تضخ أستراليا استثمارات ضخمة في الغواصات والسفن الحربية الحديثة، تبرز فجوة أقل ظهوراً لكنها لا تقل أهمية، وهي تراجع قدرات البحرية الأسترالية على اكتشاف الألغام البحرية وإزالتها وتأمين الموانئ والممرات المائية.

وتراجعت قوة مكافحة الألغام التابعة للبحرية الملكية الأسترالية بصورة واضحة خلال السنوات الماضية. فمن أصل ست سفن متخصصة من فئة Huon، لم يتبق في الخدمة سوى سفينتين، في وقت تتجه فيه هذه السفن القديمة تدريجياً نحو نهاية عمرها التشغيلي.

وكان من المفترض أن يقدم مشروع Sea 1905 حلاً أكثر تطوراً يعتمد على المركبات السطحية وتحت المائية غير المأهولة، إلى جانب سفن قادرة على نقل هذه الأنظمة وتشغيلها ودعمها. لكن تعليق المشروع في عام 2024 ترك البحرية تعتمد بدرجة أكبر على قدرات محدودة وأنظمة ذاتية التشغيل تم الحصول عليها في إطار مشروع Sea 1778.

ولا تكمن خطورة الألغام البحرية فقط في قدرتها على إغراق السفن. ففي أوقات الأزمات، قد يكون مجرد الاشتباه بوجود ألغام في ممر ملاحي كافياً لتعطيل حركة السفن ورفع تكاليف التأمين وتأخير الإمدادات وإحداث خسائر اقتصادية واسعة.

وهذه المسألة تحمل أهمية خاصة بالنسبة لأستراليا، التي تعتمد بصورة كبيرة على النقل البحري في تجارتها الدولية وإمداداتها الحيوية. لذلك فإن تأمين الموانئ والممرات البحرية لا يمثل مهمة ثانوية، بل يشكل جزءاً أساسياً من قدرة القوات البحرية على التحرك والعمل خلال الأزمات.

فحتى أكثر المدمرات والغواصات والسفن البرمائية تطوراً تحتاج إلى ممرات آمنة قبل أن تتمكن من مغادرة الموانئ أو العودة إليها. ومن هنا تصبح مكافحة الألغام عنصراً مكملاً للاستثمارات الكبرى في الأسطول وليس بديلاً عنها.

المفارقة أن هذه المشكلة ليست جديدة. ففي أواخر ثمانينيات القرن الماضي أثيرت مخاوف مماثلة بشأن تراجع قدرات أستراليا في هذا المجال، وأوصت مراجعات دفاعية آنذاك بتطوير قوة حديثة لمكافحة الألغام، وهو ما أدى لاحقاً إلى ظهور سفن Huon.

اليوم تبدو أستراليا أمام تحدٍ مشابه، ولكن في بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً. وفي الوقت نفسه، تتطور التقنيات غير المأهولة بسرعة، وأصبحت المركبات الذاتية قادرة على مسح قاع البحر واكتشاف الأجسام المشبوهة وتصنيفها والمساعدة في التخلص من الألغام.

هذه التكنولوجيا قد توفر جزءاً مهماً من الحل مستقبلاً، لكنها تحتاج إلى منصات دعم وأفراد متخصصين وقدرة على الانتشار والعمل لفترات طويلة.

السؤال المطروح الآن ليس ما إذا كانت أستراليا تمتلك بعض وسائل مكافحة الألغام، بل ما إذا كانت القدرات المتاحة كافية لحماية الموانئ الرئيسية والممرات البحرية والبنية التحتية الحساسة تحت سطح البحر في حالة حدوث أزمة واسعة أو طويلة الأمد.