يشهد الاقتصاد الفضائي العالمي تحولاً سريعاً، فلم يعد الفضاء مجالاً يقتصر على الحكومات والبرامج الدفاعية والبعثات العلمية، بل أصبح جزءاً متزايد الأهمية من البنية التحتية التي تعتمد عليها الاقتصادات الحديثة. وفي ظل هذا التحول، تمتلك أستراليا مجموعة من المزايا التي قد تساعدها على توسيع دورها في هذا القطاع خلال السنوات المقبلة.
وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الأنظمة الفضائية أصبحت تدعم نسبة كبيرة من الخدمات والبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك الاتصالات والنقل والطاقة وإمدادات الغذاء. كما تعتمد قطاعات اقتصادية عديدة بصورة متزايدة على خدمات الأقمار الصناعية، ما يجعل أمن واستمرارية هذه الخدمات قضية اقتصادية واستراتيجية وليست تكنولوجية فقط.
ويبلغ حجم قطاع الفضاء الأسترالي نحو 4.6 مليار دولار أسترالي سنوياً، ويوفر قرابة 17 ألف وظيفة، إلى جانب مئات الشركات العاملة في مجالات متنوعة تشمل الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، ومراقبة الأرض، وتتبع الأجسام الفضائية وتقنيات الإطلاق.
لكن وجود الشركات والخبرات وحده لا يكفي لضمان موقع قوي لأستراليا في الاقتصاد الفضائي. فالتحدي يتمثل في تحديد المجالات التي تحتاج البلاد إلى امتلاك قدرات محلية فيها، والمجالات التي يمكن الاعتماد فيها على الشراكات الدولية.
وتمنح الجغرافيا أستراليا ميزة مهمة، بفضل مساحتها الشاسعة وانخفاض الكثافة السكانية وموقعها في نصف الكرة الجنوبي وقرب مناطقها الشمالية من خط الاستواء. وتوفر هذه العوامل فرصاً لإنشاء محطات أرضية ومرافق لتتبع الأقمار الصناعية، إضافة إلى عمليات الإطلاق واستعادة المركبات الفضائية.
وفي الوقت نفسه، تجعل المسافات الهائلة داخل البلاد أستراليا شديدة الاعتماد على التكنولوجيا الفضائية. فالمناطق النائية والمزارع والمناجم والسواحل الطويلة تحتاج إلى الاتصالات الفضائية وأنظمة تحديد المواقع ومراقبة الأرض، بينما تلعب الأقمار الصناعية دوراً مهماً في متابعة حرائق الغابات والفيضانات والأعاصير والكوارث الطبيعية الأخرى.
ومع هذا التوسع تظهر تحديات جديدة، أبرزها الازدحام المداري والحطام الفضائي واحتمالات اصطدام الأقمار الصناعية، إلى جانب المنافسة على الترددات والحاجة إلى أنظمة أكثر فاعلية لإدارة حركة الأجسام في الفضاء.
لذلك، قد يكون من الضروري التعامل مع الفضاء باعتباره جزءاً من البنية التحتية الحيوية لأستراليا. ولا يتطلب ذلك أن تتحول البلاد إلى قوة فضائية عظمى، بل أن تحدد القطاعات التي تمثل أولوية وطنية، وأن تستثمر في قدراتها المحلية مع تعزيز التعاون مع شركائها الدوليين.
ومع ما تمتلكه أستراليا من خبرات علمية وشركات تكنولوجية وموقع جغرافي مميز، فإن أمامها فرصة لتصبح لاعباً أكثر تأثيراً في الاقتصاد الفضائي المتنامي، بشرط تطوير رؤية طويلة الأجل توازن بين الاستفادة من التقنيات العالمية وتقليل الاعتماد المفرط على البنية التحتية الفضائية الأجنبية.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

