أكد تقرير جديد صادر عن لجنة الإنتاجية الأسترالية أن تعقيد القوانين وتداخل اللوائح بين مختلف الجهات الحكومية أصبح من أبرز الأسباب التي تعيق بناء المساكن الجديدة في أستراليا، وهو ما يساهم في استمرار أزمة السكن وارتفاع أسعار المنازل والإيجارات.

وأوضح التقرير أن المطورين العقاريين يواجهون سلسلة طويلة من الإجراءات والاشتراطات المتناقضة التي تؤدي إلى تأخير المشاريع ورفع تكاليفها، الأمر الذي يجعل الكثير من مشاريع الإسكان غير مجدية اقتصادياً. ففي بعض الحالات، تطلب المجالس المحلية زيادة المساحات الخضراء والأشجار داخل المشروع، بينما تشترط سلطات الإطفاء تقليل الغطاء النباتي لتفادي مخاطر الحرائق، ما يضع المطورين أمام متطلبات متعارضة يصعب تنفيذها.

وأشار التقرير إلى أن الحكومة الفيدرالية تستهدف بالتعاون مع الولايات والأقاليم إنشاء 1.2 مليون منزل جديد بين منتصف عام 2024 ومنتصف عام 2029، إلا أن وتيرة البناء الحالية لا تزال أقل من المطلوب، مع وجود فجوة تتجاوز 200 ألف منزل عن الهدف المحدد.

وترى لجنة الإنتاجية أن زيادة المعروض من المساكن تمثل الوسيلة الأكثر فاعلية لتخفيف الضغوط على أسعار العقارات والإيجارات، لكنها شددت على أن تحقيق هذا الهدف يتطلب مراجعة شاملة للقوانين الحالية، واستبدال النهج القائم على القيود بنظام أكثر مرونة يشجع البناء بدلاً من إعاقته.

ودعا التقرير إلى تخفيف عدد من الاشتراطات التنظيمية، مثل الحد الأدنى لمساحات الشقق، ومتطلبات الشرفات والنوافذ، وأعداد مواقف السيارات، إضافة إلى إعادة تقييم بعض معايير التصميم التي تعتمد على اعتبارات جمالية أو مفاهيم عامة مثل “الطابع العمراني للحي”، والتي قد تمنع تنفيذ مشاريع سكنية مناسبة دون وجود مبررات عملية.

كما أوصى التقرير بتوسيع السماح ببناء مبانٍ سكنية يصل ارتفاعها إلى ثلاثة طوابق في معظم المناطق السكنية، مع منح الحكومات المحلية صلاحيات أكثر مرونة لإعادة تصنيف الأراضي بما يسمح بزيادة الكثافة السكانية، خاصة في المناطق القريبة من الخدمات ووسائل النقل.

وبيّن التقرير أن القيود الحالية لا تقتصر على قوانين تقسيم الأراضي، بل تشمل أيضاً حدود الارتفاع، والارتدادات الإلزامية عن حدود الأرض، ونسب مساحة البناء، وهي شروط قد تجعل من المستحيل تنفيذ مشروع مسموح به نظرياً وفق المخطط التنظيمي.

ومن بين الأمثلة التي استشهد بها التقرير، شقة صغيرة في سيدني حازت جوائز معمارية بفضل تصميمها المبتكر، لكنها لم تستوفِ معايير دليل تصميم الشقق في نيو ساوث ويلز بسبب صغر مساحتها. كما أشار إلى حالات اضطرت فيها عائلات إلى تقليص مساحة منازلها الجديدة بعد هدم القديمة بسبب قيود المجالس المحلية.

واقترح التقرير أيضاً إعادة النظر في قوانين حماية المباني التراثية، بحيث يتم تقييم كل مبنى أو منطقة صغيرة بشكل مستقل وفق دراسة توضح المنافع والتكاليف، بدلاً من فرض القيود على أحياء كاملة بصورة عامة.

ولفتت اللجنة إلى أن تكاليف الحصول على الموافقات الحكومية أصبحت مرتفعة، إذ تتراوح رسوم موافقات التطوير بين 3,900 و22,000 دولار أسترالي، بينما تتراوح رسوم موافقات البناء بين 3,700 و18,000 دولار، دون احتساب التكاليف الإضافية الناتجة عن تأخر إصدار الموافقات أو الاحتفاظ بالأراضي لفترات طويلة.

وأضاف التقرير أن المطورين يضطرون أحياناً للتعامل مع عشرات الجهات الحكومية المختلفة للحصول على الموافقات اللازمة، ففي بعض مشاريع نيو ساوث ويلز يتطلب الأمر مراجعة ما يصل إلى 22 جهة حكومية، وهو ما يؤدي إلى تأخير كبير وظهور قرارات متناقضة.

وفي ختام التقرير، شددت لجنة الإنتاجية على أهمية تحسين التنسيق بين الحكومات الفيدرالية وحكومات الولايات والمجالس المحلية، إلى جانب الاستثمار المبكر في البنية التحتية مثل الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي، باعتبارها عوامل أساسية لتسريع تنفيذ مشاريع الإسكان وتحقيق أهداف أستراليا في توفير مساكن أكثر بأسعار مناسبة.