شهدت منطقة المحيط الهادئ تحولاً لافتاً في ميزان النفوذ الاقتصادي، بعدما أصبحت أستراليا أكبر ممول ومقرض لمشروعات البنية التحتية في المنطقة، متقدمة على الصين التي كانت لسنوات اللاعب الأبرز في هذا المجال. ويعكس هذا التغير استراتيجية أسترالية تهدف إلى تعزيز حضورها الإقليمي من خلال تقديم المساعدات والقروض والاستثمار في مشاريع التنمية.

ووفقاً لأحدث بيانات خريطة المساعدات في المحيط الهادئ الصادرة عن معهد لوي، استحوذت أستراليا خلال عام 2024 على نحو 37% من إجمالي الإنفاق التنموي في المنطقة، لتتقدم بفارق كبير على نيوزيلندا التي بلغت حصتها 11%، بينما جاءت الولايات المتحدة بنسبة 8%، والصين بنسبة 6%، واليابان بنسبة 3%.

ويرى الباحثون أن هذا التحول يعكس تراجعاً واضحاً في القروض الصينية الموجهة لدول المحيط الهادئ، بعدما كانت بكين تعتمد لسنوات على تمويل مشاريع البنية التحتية كوسيلة لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي. في المقابل، ضخت الحكومة الأسترالية مليارات الدولارات في مشاريع جديدة، سواء عبر المساعدات المباشرة أو من خلال برامج التمويل والقروض.

لكن هذا التقدم يضع أستراليا أمام اختبار حقيقي، إذ لن يكون نجاحها مرهوناً بحجم الأموال التي تقدمها فقط، بل بقدرتها على تنفيذ المشاريع في الوقت المحدد وضمن الميزانيات المقررة، مع ضمان أن تحقق هذه المشاريع فوائد اقتصادية حقيقية للدول المستفيدة دون أن تثقلها بديون يصعب سدادها.

ومنذ إنشاء مرفق التمويل الأسترالي للبنية التحتية في المحيط الهادئ (AIFFP) عام 2019، التزمت الحكومة الأسترالية بتقديم أكثر من مليار دولار أمريكي في صورة قروض، إضافة إلى ما يزيد على 850 مليون دولار في شكل منح. كما تشير التقديرات إلى توقيع اتفاقيات قروض جديدة بقيمة تقارب 2.4 مليار دولار أمريكي منذ عام 2021.

ويرى خبراء التنمية أن جودة المشاريع ستكون العامل الحاسم في نجاح هذه السياسة. فإذا أسهمت البنية التحتية الجديدة في تحسين النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل وتعزيز التجارة، فإنها ستساعد الدول على سداد التزاماتها المالية بصورة مستدامة، وهو ما سيمنح أستراليا مصداقية أكبر كشريك تنموي.

ورغم هذا التقدم، فإن الصين لم تغب عن المشهد بالكامل. فما زالت الشركات الصينية الحكومية تحصد نسبة كبيرة من عقود تنفيذ مشاريع البنية التحتية الممولة من مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي، كما تواصل بكين تقديم منح لتمويل مشاريع أصغر حجماً تشمل المدارس والطرق والعيادات الصحية، وهي مشاريع تترك أثراً مباشراً في حياة السكان.

وفي الوقت نفسه، لا تزال المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها بنك التنمية الآسيوي والبنك الدولي، من أبرز الجهات الممولة للتنمية في المنطقة، حيث تساهم بنسبة كبيرة من إجمالي الإنفاق التنموي.

أما الولايات المتحدة، فرغم خفضها بعض برامج المساعدات، فإن تجديد اتفاقيات الشراكة طويلة الأجل مع ولايات ميكرونيزيا وجزر مارشال وبالاو، بقيمة تتجاوز 7 مليارات دولار على مدى عقدين، حافظ على مستوى التزامها تجاه المنطقة.

ويؤكد هذا المشهد أن المنافسة على النفوذ في المحيط الهادئ لم تعد تعتمد فقط على حجم التمويل، بل على القدرة على تنفيذ مشاريع تنموية مستدامة تحقق نتائج ملموسة للدول والشعوب، وهو ما سيحدد شكل التوازنات الإقليمية خلال السنوات المقبلة.