رغم أن الانتخابات الفيدرالية الأسترالية المقبلة لا تزال على بُعد عامين تقريباً، إلا أن المشهد السياسي في كانبيرا يوحي بأن الحملات الانتخابية بدأت فعلياً. فبينما يسعى رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي إلى إعادة التركيز على ملفات الصحة والتعليم والخدمات العامة، تعمل زعيمة حزب أمة واحدة بولين هانسون على استثمار الزخم الشعبي الذي حققه حزبها في استطلاعات الرأي الأخيرة.
خلال الأيام الماضية، أطلق حزب “أمة واحدة” حملة تبرعات واسعة تحت شعار “أطردوا الكاذب”، وهو الشعار الذي استقطب اهتماماً كبيراً وأدى إلى جمع أكثر من مليوني دولار خلال 48 ساعة فقط. ويأمل الحزب في استخدام هذه الأموال لتوسيع حملاته الإعلانية واستهداف عدد من المقاعد التي يسيطر عليها حزب العمال، خاصة في ضواحي سيدني.
وتأتي هذه الخطوة بعد نتائج استطلاعات رأي أظهرت تقدماً ملحوظاً للحزب، ما دفع العديد من المراقبين إلى الحديث عن تنامي نفوذ القوى السياسية الصغيرة على حساب الأحزاب التقليدية. وفي المقابل، حاول ألبانيزي تحويل الأنظار نحو سياسات الحكومة في الرعاية الصحية والتعليم، مطالباً الأحزاب المنافسة بتوضيح خططها في هذه الملفات الأساسية.
لكن الجدل لم يقتصر على السياسات فقط، بل امتد إلى التاريخ السياسي الطويل لبولين هانسون. فقد عادت هانسون للحديث عن القضية الشهيرة التي أدت إلى سجنها لفترة قصيرة في أواخر التسعينيات بتهمة التزوير الانتخابي قبل أن يتم إلغاء الإدانة لاحقاً. وخلال ظهور إعلامي مؤثر، ألقت باللوم على رئيس الوزراء الأسبق توني أبوت، معتبرة أن الحملة القانونية التي واجهتها آنذاك كانت بمثابة “مطاردة سياسية” أثرت عليها وعلى عائلتها بشكل كبير.
وقالت هانسون إن تلك المرحلة كانت من أصعب الفترات في حياتها، مؤكدة أن أبناءها أيضاً دفعوا ثمناً نفسياً بسبب ما حدث. وأظهرت مشاعر واضحة أثناء استعادتها لتلك الذكريات، في مشهد أعاد فتح صفحات قديمة من الصراع السياسي الأسترالي.
في الوقت نفسه، تتزايد المخاوف داخل صفوف الحزب الليبرالي من استمرار صعود حزب أمة واحدة، خصوصاً في المناطق الريفية وبعض الضواحي التي تشهد تراجعاً في دعم الأحزاب التقليدية. وقد طرح بعض النواب المحافظين فكرة التعاون الانتخابي أو تبادل التفضيلات مع الحزب، إلا أن قيادة الائتلاف سارعت إلى استبعاد أي اتفاق رسمي في الوقت الراهن.
ويرى محللون أن التحدي الأكبر أمام المعارضة ليس فقط مواجهة حكومة العمال، بل أيضاً استعادة ثقة الناخبين الذين اتجه جزء منهم نحو الأحزاب الاحتجاجية والشعبوية. وبينما يتحدث قادة الائتلاف عن مؤشرات إيجابية وتحول في المزاج الشعبي، يبقى السؤال الأهم: هل سيتمكنون من إقناع الناخبين ببرامجهم، أم أن الأحزاب الصغيرة ستواصل حصد المزيد من التأييد خلال السنوات المقبلة؟
ومع استمرار السجالات السياسية وبدء حملات التمويل والشعارات الانتخابية، يبدو أن أستراليا دخلت بالفعل مرحلة المنافسة المبكرة، حتى وإن كان موعد صناديق الاقتراع لا يزال بعيداً.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

