في وقت تشهد فيه أستراليا انخفاضاً غير مسبوق في معدلات الإنجاب، تتزايد أعداد الأشخاص الذين يختارون عدم إنجاب الأطفال، ليس بسبب ظروف صحية أو اجتماعية، بل كقرار شخصي يعكس نمط الحياة الذي يرغبون فيه. هذا التوجه فتح نقاشاً واسعاً حول مفهوم الأسرة التقليدية، وظهور مطالب بزيادة المساحات والخدمات المخصصة للبالغين فقط.

تانيا ويليامز، وهي سيدة أعمال من بريزبان تبلغ من العمر 54 عاماً، تؤكد أنها اتخذت قرارها بعدم الإنجاب منذ سنوات طويلة. وتقول إن الأمومة لم تكن جزءاً من طموحاتها، إذ فضّلت التركيز على بناء مسيرتها المهنية والسفر وتحقيق أهدافها الشخصية. وترى أن إنجاب الأطفال كان سيحدّ من قدرتها على عيش الحياة التي تحلم بها، رغم أنها لا تمانع وجود الأطفال في محيطها العائلي من خلال أبناء إخوتها وأقاربها.

وتوضح تانيا أنها تميل دائماً إلى اختيار المنتجعات والفنادق المخصصة للبالغين خلال رحلاتها، معتبرة أن بعض الأماكن المشتركة تعاني من سلوكيات مزعجة بسبب غياب الرقابة الكافية من بعض الأهالي على أطفالهم. كما تشير إلى أن الرحلات الجوية الطويلة قد تصبح مرهقة عندما يتسبب بكاء الأطفال المستمر في إزعاج الركاب الآخرين.

من جهتها، تشارك صانعة المحتوى جوليا دات هذا الرأي، خصوصاً أنها تعاني من حساسية عصبية تجعل الأصوات المرتفعة والمفاجئة سبباً في نوبات توتر وقلق. وترى أن توفير مناطق أو خدمات مخصصة للبالغين في بعض وسائل النقل قد يمنح الجميع خيارات أكثر راحة دون أن يكون ذلك على حساب الأسر.

وفي جنوب أستراليا، قرر الزوجان كايلي وواين شولز تحويل منتزه القوافل الذي يديرانه إلى وجهة مخصصة للبالغين فقط بعد ملاحظة تزايد الطلب على هذا النوع من الأماكن. ويؤكدان أن الفكرة لا تستهدف العائلات، بل توفر خياراً إضافياً لمن يبحثون عن الهدوء والاسترخاء بعيداً عن أجواء النشاط العائلي المعتادة.

وتأتي هذه التحولات في وقت تتراجع فيه معدلات الخصوبة في أستراليا إلى مستويات تاريخية، حيث تشير التقديرات إلى انخفاض المعدل إلى نحو 1.42 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل المطلوب للحفاظ على استقرار عدد السكان. ويرى خبراء الاجتماع أن هذا التغير يرتبط بعوامل متعددة، منها ارتفاع تكاليف المعيشة، وتغير أولويات الأفراد، واتساع الخيارات المتاحة أمام النساء في التعليم والعمل والاستقلال الاقتصادي.

لكن في المقابل، يحذر بعض الباحثين من أن التوسع في إنشاء مساحات خالية من الأطفال قد يؤدي بشكل غير مباشر إلى استبعاد الأمهات والعائلات من بعض الأماكن العامة. كما أن الأطفال يحتاجون إلى التواجد في المجتمع واكتساب الخبرات الاجتماعية من خلال التفاعل مع الآخرين.

وتؤكد الكاتبة الأسترالية آشلي بروكس-غاريت، وهي أم لطفل صغير، أن وجود أماكن مخصصة للبالغين أمر مفهوم ومقبول، لكنها ترى أن المجتمع لا يمكن أن يصبح خالياً من الأطفال. وتلخص وجهة نظرها بعبارة لافتة: “من حقك أن تعيش حياة بلا أطفال، لكن ليس من حقك أن تعيش في عالم بلا أطفال”.

ويعكس هذا النقاش المتصاعد تحولات اجتماعية وثقافية متزايدة في أستراليا، حيث باتت خيارات الحياة أكثر تنوعاً، وأصبح قرار الإنجاب أو عدمه يُنظر إليه بشكل متزايد باعتباره قراراً شخصياً يستحق الاحترام، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الضغوط المجتمعية.