شهد العالم خلال العقود الثلاثة الماضية تحولات سياسية واقتصادية عميقة، دفعت العديد من الدول إلى إعادة النظر في اعتمادها على الأسواق الخارجية. وفي أستراليا، يتزايد الجدل حول ضرورة تعزيز الإنتاج المحلي وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، لحماية الاقتصاد الوطني من الأزمات الدولية المتلاحقة.
مع نهاية القرن العشرين، سادت حالة من التفاؤل العالمي عقب سقوط جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة. واعتقد كثيرون أن العولمة والتجارة الحرة ستفتحان الباب أمام مرحلة طويلة من الاستقرار والازدهار، حيث تستطيع الدول استيراد احتياجاتها بأقل الأسعار، والتركيز على تصدير المنتجات والخدمات التي تتميز بها.
واستفادت أستراليا من هذا النموذج الاقتصادي، معتمدة على صادرات الفحم وخام الحديد، إلى جانب قطاع التعليم الجامعي الذي أصبح أحد مصادر الدخل المهمة للبلاد.
لكن بداية القرن الحادي والعشرين حملت واقعاً مختلفاً. فقد كشفت هجمات 11 سبتمبر 2001 عن تهديدات أمنية جديدة، بينما أدى الصعود الاقتصادي والعسكري للصين إلى تغيير موازين القوى الدولية، بالتزامن مع تصاعد التوترات المرتبطة بروسيا.
وجاءت جائحة كورونا لتكشف هشاشة سلاسل التوريد العالمية، بعدما تسببت القيود الحدودية وتعطل المصانع وحركة الشحن في نقص العديد من السلع الأساسية.
الاعتماد على الخارج أصبح تحدياً للأمن الاقتصادي
أظهرت هذه الأزمات أن الاعتماد المفرط على الواردات قد يعرض الاقتصاد الأسترالي لمخاطر كبيرة، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الطاقة والوقود والصلب والصناعات الأساسية.
كما أبرزت القيود التجارية التي فرضتها الصين على بعض الصادرات الأسترالية مدى تأثر العلاقات الاقتصادية بالخلافات السياسية. وزادت التوترات والصراعات في الشرق الأوسط المخاوف بشأن استقرار إمدادات الطاقة وأسعار الوقود.
ويرى الكاتب والمعلق الأسترالي جو هيلدبراند أن هذه التطورات تفرض على أستراليا تغيير أولوياتها الاقتصادية، والانتقال من الاعتماد الواسع على الأسواق الخارجية إلى بناء قاعدة إنتاجية وطنية أكثر قوة.
فرصة حقيقية لتعزيز الصناعة الأسترالية
تمتلك أستراليا مقومات مهمة لتحقيق هذا التحول، من بينها الثروات المعدنية والطبيعية، والكوادر البشرية المؤهلة، والخبرات العلمية والتكنولوجية.
ويمكن استثمار هذه الإمكانات في تطوير الصناعات المحلية، وتوسيع قدرات التصنيع، وزيادة إنتاج المواد الأساسية داخل البلاد، بما يقلل التعرض للاضطرابات الخارجية ويوفر فرص عمل جديدة.
لكن تحقيق الاكتفاء الذاتي لا يعني بالضرورة الاستغناء عن التجارة الدولية، بل بناء اقتصاد أكثر مرونة يستطيع تلبية احتياجاته الاستراتيجية عند حدوث الأزمات.
ويتطلب ذلك استثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية والتكنولوجيا والتدريب المهني، إلى جانب سياسات حكومية تشجع الشركات على التصنيع والإنتاج داخل أستراليا.
وفي ظل عالم تتزايد فيه المنافسة الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية، لم يعد تعزيز الصناعة المحلية مجرد خيار اقتصادي، بل أصبح جزءاً أساسياً من حماية الأمن الوطني وضمان مستقبل أكثر استقراراً للأجيال القادمة.
وتبقى الرسالة الأساسية واضحة: أستراليا تمتلك الموارد والخبرات اللازمة لبناء اقتصاد أكثر استقلالاً، لكن نجاحها يعتمد على قدرتها على تحويل هذه الإمكانات إلى مشروعات إنتاجية حقيقية قبل أن تفرض الأزمات المقبلة تحديات أشد صعوبة.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

