تواجه أستراليا مرحلة اقتصادية دقيقة قد تحدد مستوى معيشة مواطنيها خلال العقود الخمسة المقبلة، وسط ارتفاع تكاليف الحياة وتباطؤ الإنتاجية وتزايد الضغوط على الأجور والإسكان. وفي ظل هذه التحديات، تتصاعد الدعوات إلى تبني إصلاحات اقتصادية جريئة تعيد للبلاد قدرتها على المنافسة والنمو.
وخلال خطاب ألقاه بمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيس مركز الدراسات المستقلة الأسترالي، حذر الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ماتياس كورمان، من استمرار التراجع في وتيرة الإصلاحات الاقتصادية، مؤكداً أن الحلول المؤقتة لأزمة غلاء المعيشة لن تكون كافية لضمان مستقبل أكثر ازدهاراً.
وأوضح كورمان أن التجربة الأسترالية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي أثبتت أهمية الانفتاح الاقتصادي وتحرير الأسواق وتشجيع المنافسة. فقد ساعدت تلك السياسات على تحقيق نمو اقتصادي استمر قرابة 29 عاماً دون انقطاع، وأسهمت في تحسين الأجور والقدرة الشرائية للمواطنين.
لكن الصورة تغيرت خلال السنوات الأخيرة، بعدما تباطأ نمو الإنتاجية إلى أقل من 0.3% سنوياً منذ عام 2015، مقارنة بمتوسط تاريخي يبلغ 1.6%. وانعكس هذا التراجع على دخول الأسر، خصوصاً مع ارتفاع أسعار السكن والطاقة والخدمات الأساسية.
ويرى كورمان أن تقديم الإعانات المالية وتخفيض فواتير الطاقة قد يخفف الضغوط مؤقتاً، لكنه لا يعالج الأسباب الحقيقية لارتفاع الأسعار. فالحل المستدام، بحسب رؤيته، يكمن في زيادة الإنتاجية وتعزيز المنافسة وتسهيل الاستثمار.
الإسكان والهجرة في قلب التحديات
احتلت أزمة الإسكان مكانة بارزة في الخطاب، حيث أشار كورمان إلى أن النمو السكاني تجاوز قدرة البلاد على بناء مساكن جديدة خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى ارتفاع الإيجارات وتراجع فرص امتلاك المنازل.
ودعا إلى تسريع الموافقات على المشروعات السكنية، وتوسيع البناء بالقرب من وسائل النقل العام، وربط برامج الهجرة باحتياجات سوق العمل والقدرة على توفير المساكن والبنية التحتية.
وفي الوقت نفسه، حذر من أن تقليص الهجرة بصورة عشوائية قد يزيد الضغوط الاقتصادية مستقبلاً، خاصة مع ارتفاع نسبة كبار السن وتزايد الحاجة إلى العاملين في قطاعات الصحة والرعاية والخدمات.
الذكاء الاصطناعي فرصة اقتصادية جديدة
ومن أبرز القضايا التي تناولها الخطاب الدور المنتظر للذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية. فالتكنولوجيا الحديثة قد تمنح أستراليا فرصة لتعويض تباطؤ نمو القوى العاملة، بشرط توفير المهارات والبنية التحتية والتشريعات التي تشجع استخدامها.
وشدد كورمان على ضرورة استفادة الشركات الصغيرة والمستشفيات والمدارس من هذه التقنيات، بدلاً من اقتصار فوائدها على المؤسسات الكبرى.
كما دعا إلى إصلاح النظام الضريبي، وتخفيف التعقيدات التنظيمية، وتحسين جودة التعليم، وتشجيع التجارة والاستثمار الأجنبي، إلى جانب ضبط الإنفاق الحكومي بصورة تحافظ على استدامة الخدمات العامة.
مستقبل يتطلب قرارات شجاعة
وحذر كورمان من الانجراف وراء السياسات الشعبوية التي تقدم حلولاً سريعة مثل فرض الرسوم الجمركية أو التوسع في الدعم الحكومي دون زيادة الإنتاج، معتبراً أنها قد تؤدي إلى ارتفاع التكاليف وإضعاف القدرة التنافسية.
وتشير التقديرات التي استشهد بها إلى أن استعادة معدلات نمو الإنتاجية التاريخية يمكن أن تجعل الأستراليين أفضل حالاً بما لا يقل عن 14 ألف دولار سنوياً بحلول عام 2035.
وفي النهاية، تبدو الرسالة الأساسية واضحة: مستقبل أستراليا الاقتصادي لن يتحدد بحجم المساعدات المؤقتة، بل بقدرتها على تنفيذ إصلاحات طويلة الأجل تحقق نمواً حقيقياً في الأجور والإنتاج، وتضمن للأجيال المقبلة فرصاً معيشية أفضل.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

