منذ أن أنهى غوف ويتلم سياسة “استراليا البيضاء” سنة 1972 ، قُدمت أستراليا بوصفها إحدى أنجح التجارب العالمية في التعددية الثقافية. فقد استقبلت، على مدى عقود، ملايين المهاجرين من مختلف القارات، ونجحت في بناء مجتمع يتميز بالتنوع والانفتاح، حتى أصبح نحو ثلث سكان البلاد مولودين خارج أستراليا، وهي من أعلى النسب في العالم.
لكن النجاح لا يعني غياب التحديات. فالتعددية الثقافية اليوم تواجه اختباراً حقيقياً في ظل الضغوط الاقتصادية، وأزمة السكن، وارتفاع كلفة المعيشة، والتوترات الدولية التي تنعكس أحياناً على الداخل الأسترالي
بالإضافة الى مطالبة بولين هانسون بالعودة الى “استراليا البيضاء” كشعار لحملتها الإنتخابية المقبلة مدعومة من الأئتلاف.
وتشير بيانات حديثة صادرة عن مكتب الإحصاءات الأسترالي إلى أن 75% من الأستراليين ما زالوا يرون أن التنوع الثقافي مفيد للمجتمع، إلا أن هذه النسبة تراجعت مقارنة بالسنوات السابقة، كما انخفضت مستويات الثقة الاجتماعية بين المواطنين. (Australian Bureau of Statistics)
ومن أبرز التحديات التي تواجه سياسة التعددية الثقافية:
* بطء اندماج بعض المهاجرين في المجتمع، نتيجة ضعف إتقان اللغة الإنجليزية أو الانغلاق داخل تجمعات عرقية.
* تنامي الشعور لدى بعض المواطنين بأن الزيادة السريعة في الهجرة تزيد الضغوط على السكن والبنية التحتية والخدمات العامة.
* انتقال الصراعات السياسية والدينية في الخارج إلى الداخل الأسترالي، بما يهدد الانسجام الاجتماعي.
* استمرار بعض مظاهر التمييز وخطاب الكراهية ضد مجموعات دينية أو عرقية، وهو ما ينعكس سلباً على شعور بعض المهاجرين بالانتماء.
وفي المقابل، لا تزال معظم الدراسات تؤكد أن التنوع الثقافي يشكل أحد مصادر قوة الاقتصاد الأسترالي، ويسهم في سد النقص في سوق العمل، ويعزز العلاقات التجارية مع العالم. غير أن خبراء التماسك الاجتماعي يحذرون من أن نجاح التعددية الثقافية يتطلب سياسات أكثر فاعلية لتعزيز الاندماج، وتقوية الهوية الوطنية المشتركة، ومعالجة الضغوط الاقتصادية التي تؤثر في نظرة المواطنين إلى الهجرة.
إن مستقبل التعددية الثقافية في أستراليا لن يتحدد بعدد الجنسيات التي تعيش على أرضها، بل بقدرة المجتمع على ترسيخ شعور مشترك بالانتماء، يجمع بين احترام التنوع والالتزام بالقيم الوطنية. فالتحدي الحقيقي ليس في اختلاف الثقافات، بل في بناء مجتمع يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء في وطن واحد، تجمعهم المواطنة قبل أي انتماء آخر.
فهل ستفرز صناديق الاقتراع في الانتخابات المقبلة العودة الى أستراليا البيضاء؟!.


