ولأني أعرف ما تعنيه الأوطان للإنسان منا، أقف هنا مساندة بمشاعري وكلماتي صديقتي سو بدر الدين في حزنها على قريتها المنكوبة، وفي دعم حفلها الخيري هذا..

من عايش تدمير وطنه لحظة بلحظة، سيعيش المشاعر نفسها مع الأوطان كلها، وكيف حين يكون لبنان الجار العزيز الأقرب إلى سورية يدمر، ويشرد أهله؟!

بعيد عن الإنسانية من لا يشارك الشارع أحزانه، ومن لا يرحم الناس لا يرحم!

نحن هنا لا لنقيّم الأفعل، أو لنجرّم الفاعل، بل لنحيي الإنسان المتعاطف فينا، نحن الذين هُدينا من الله النجدين، فصار حقا علينا الالتزام بما نتبناه من القناعات، والمواقف.

نجتمع هنا لنرتل حنيننا قصائد، ننشد جملة صغيرة تتحدث بلساننا عما في قلوبنا، وقد تطيّب جرحا يغور في النفس. أقسى ما في الحكاية أن تروي عن رائحة الأماكن بالكلمات، فحين تنطفئ الأصوات تهمس الذكريات لتوقظ فينا كل ما ظنناه قد هدأ.. ليست الأرض خفق تراب، وكفى، إنها صدى أقدامنا جيلا بعد جيل، أنفاس أهلنا، عروق أ شجارنا التي روّيناها بمداد روحنا، وصدى آمالنا ترددها الجبال والسهوب والوديان.. وأمرّ ما في الحكاية أيضا أنك تلبسها مشاعرك الشخصية، فتخرج انعكاسا لك.

أتخيل كفر كلا صبية الجنوب الحزينة، فأستدعي معها القرى في أوطاننا الغالية، بيوت شُتلت فوق التلال ببساطة أهلها، وعرقهم المتعب، بإحساسهم أنهم امتلكوا الزمن، فمتى شاؤوا بعثوا من الذكريات ما افترشوه على مصاطبها في سهراتهم، رعيان يسرحون في بهاء النهار وراء أغنامهم وخرافهم، أشجار زيتون مباركة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، هِممُ فلاحات وفلاحين يقطفون حباتها ويسلمونها للمعاصر، طيور زهور برية ، فراشات حرة، سكينة تشتهى، أتخيل أطفالها ينتظرون المساء حول مدافئ حطب يتشوقون لحكايات الجدات، تُطوّف عليهم عرائس الزيت والزعتر، والبصل الأخضر، وينتعش الحنين في صدري إلى سطح طينيّ عليه جدتي، يداها تعجنان رب البندورة ودبس الفليفلة الأحمر، أو تتحسسان التين المجفف الذي نشرته تحت شمس الصيف، أو تعلقان ثمار الباذنجان بحبل يراقص الهواء، تجرشان الحنطة، وتسلقانها في القدور، وأنا أتراكض لألتقط حبات فرّت هاربة قبل أن تسرقها العصافير..

صور، وصور تتداعى لتتناثر الأرض فجأة طحينا تذرّيه الرياح!

الفلسطيني محمود درويش شاعر الحزن العميق حين يفلسف لغز الفقد، فيترك له الفضاء مشرعا على تساؤلات موجعة، وعلى لسان طفل هو الرمز لفلسطين كلها، يجري التحاور، فيقول:

“إلى أين تأخذني يا أبي؟

إلى جهة الريح يا ولدي..

ومن يسكن البيت من بعدنا يا أبي؟

سيبقى على حاله مثلما كان يا ولدي

لماذا تركت الحصان وحيدا؟

لكي يؤنس البيت يا ولدي،

فالبيوت تموت إذ غاب سكانها”

ولكن هل من حصان سيؤوب إلى ركام تداعى، وهل كان من وقت لنحمل مفتاح بيت في جيوبنا، أو لنعلّقه في أعناقنا شاهدا على تمسكنا بالرجوع؟!

في مقارنة بين من ينُذَر ليُخلي وليتخلّى، ومن بُوغت بالسقف فوق رأسه، فتفتّت جسده في الثرى، يقف الأجواب حائرا، لأوثّق أنه الانكسار، والوجع، فما دام الإنسان حيا فستُمضّه الذكريات، وسيسلبه القهر والعجز راحة النسيان.. هناك آثار لا يمحوها انتزاع الإنسان من ذكرياته لأنها ستظل في قلوب أهلها، تتوهّج، وقرية العروس كفر كلا الحاضرة بيننا الآن الشاهد على الزمن مثلا..

في وطني جرّفت ذكرياتنا بالمجارف مع عظام أهلنا، وواصلنا الأمل، وفي كفر كلا ما دام وراء أقاصي المعمورة أبناء يتعاطفون مع أهلهم في لبنان المنكوب، فسيستمرّ الأمل باستعادتها وإحيائها حقيقة..

إنه الأمل والحلم، فهل من الحياة لو خلت منهما؟!

أمان السيد