تشهد صناعة النشر في أستراليا تحولات ملحوظة نحو مزيد من التنوع الثقافي والاجتماعي، إلا أن دراسة حديثة كشفت أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق تمثيل عادل لمختلف فئات المجتمع، خاصة العاملين من الطبقات محدودة الدخل والمناطق الإقليمية البعيدة عن المدن الكبرى.
وأظهرت نتائج المسح الأسترالي للتنوع والشمول في قطاع النشر لعام 2026 تقدماً في مشاركة السكان الأصليين والأشخاص المنتمين إلى خلفيات ثقافية متعددة، مقارنة بأول دراسة شاملة أُجريت عام 2022.
حضور أكبر للسكان الأصليين
ارتفعت نسبة العاملين من السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس في قطاع النشر من أقل من 1% عام 2022 إلى 3.3% في عام 2026، وهي نسبة تقترب من تمثيلهم السكاني في أستراليا البالغ نحو 3.8%.
كما زادت نسبة العاملين من أصول آسيوية من 8.5% إلى 12.5%، بينما ارتفعت نسبة المشاركين الذين ينتمون إلى خلفيات ثقافية أوروبية غير بريطانية إلى 31.7%، مقارنة بـ10.5% قبل أربع سنوات.
وتشير هذه النتائج إلى اتساع دائرة المشاركة الثقافية داخل المؤسسات المسؤولة عن اختيار الكتب وتحريرها وتسويقها، وهو تطور قد يساعد مستقبلاً على تقديم أعمال أدبية تعكس تجارب أكثر تنوعاً.
تفاوت اجتماعي وجغرافي مستمر
رغم هذا التقدم، كشفت الدراسة استمرار هيمنة أصحاب المؤهلات الجامعية والخلفيات الاجتماعية الميسورة على القطاع.
فقد تبين أن أكثر من 85% من المشاركين يحملون شهادات جامعية، بينما تلقى 45.5% تعليمهم في مدارس خاصة، وهي نسب تفوق المعدلات العامة في المجتمع الأسترالي.
كما أظهرت البيانات أن 76.1% من العاملين المشاركين في الدراسة يتمركزون في سيدني وملبورن، ما يعكس محدودية فرص العمل في صناعة النشر خارج المدينتين.
وبلغت نسبة العاملين القادمين من خلفيات تنتمي إلى الطبقة العاملة أو الطبقة المتوسطة الدنيا نحو 35.1%، وهو ما يسلط الضوء على أهمية توفير فرص تدريب وتوظيف أوسع أمام الفئات الأقل حظاً.
المرأة تتصدر المشهد
شكلت النساء 83.3% من المشاركين في المسح، لكن الدراسة أشارت إلى ارتفاع نسبة الرجال في المستويات الإدارية العليا، ما يثير تساؤلات بشأن التوازن بين الجنسين في مواقع القيادة.
وفي جانب آخر، عرّف 24.2% من المشاركين أنفسهم ضمن مجتمع الميم، بينما قال 88.6% منهم إنهم يستطيعون الإفصاح كلياً أو جزئياً عن هويتهم الجنسية في بيئة العمل.
وللمرة الأولى، تناول المسح التنوع العصبي، حيث أفاد 19.6% من المشاركين بأنهم من ذوي التنوع العصبي. كما أبلغ 36.9% عن معاناتهم من حالة تتعلق بالصحة النفسية وقت إجراء الدراسة.
لماذا يهم التنوع في صناعة الكتب؟
لا تقتصر أهمية التنوع داخل دور النشر على تحقيق العدالة الوظيفية، بل تمتد إلى طبيعة القصص التي تصل إلى القراء.
فوجود محررين وناشرين من خلفيات مختلفة يفتح المجال أمام أصوات أدبية جديدة، ويساعد على تقديم تجارب إنسانية وثقافية قد لا تحظى بالاهتمام الكافي في المؤسسات التقليدية.
وتكتسب مشاركة السكان الأصليين أهمية خاصة، نظراً لدورهم في الحفاظ على التراث الثقافي ونقل القصص المرتبطة بتاريخ المجتمعات الأسترالية وهويتها.
خطوات مطلوبة للمستقبل
اعتمدت الدراسة، التي أُجريت بالتعاون مع رابطة الناشرين الأستراليين، على إجابات 774 شخصاً يعملون في مجالات النشر المختلفة، بما فيها الكتب الأدبية والتعليمية والأكاديمية وكتب الأطفال.
ويرى الباحثون أن استمرار قياس التنوع بصورة دورية سيساعد المؤسسات على تحديد نقاط الضعف وتطوير سياسات توظيف أكثر شمولاً.
وتبقى الأولوية خلال السنوات المقبلة لتوسيع فرص العمل خارج سيدني وملبورن، وتسهيل دخول أصحاب الخلفيات الاجتماعية الأقل تمثيلاً إلى هذا القطاع.
وفي النهاية، فإن صناعة نشر تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع الأسترالي لا تعني فقط توفير فرص متساوية للعاملين، بل تعني أيضاً إتاحة المجال أمام المزيد من القصص والأفكار للوصول إلى القراء.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

