تواجه أستراليا تحدياً استراتيجياً متزايداً في حماية حدودها البحرية ومصالحها الاقتصادية، في ظل التغيرات الأمنية والتكنولوجية المتسارعة بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. وفي قلب هذا التحدي تبرز اتفاقية «أوكوس» الدفاعية بين أستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا، باعتبارها مشروعاً يتجاوز مجرد شراء غواصات تعمل بالطاقة النووية.
أهمية الغواصات النووية لأستراليا
تتمتع أستراليا بموقع جغرافي فريد، إذ تحيط بها مساحات شاسعة من المحيطات، بينما تمتد طرق تجارتها البحرية لآلاف الكيلومترات. وهذا يجعل القدرة على مراقبة المياه وحماية خطوط الملاحة أمراً أساسياً لأمنها القومي.
وتواجه الغواصات التقليدية التي تعمل بالديزل تحديات تشغيلية، أبرزها حاجتها إلى الصعود بالقرب من سطح البحر بصورة دورية لتشغيل محركاتها وإعادة شحن بطارياتها، مما قد يزيد احتمالات اكتشافها بواسطة أنظمة المراقبة الحديثة.
في المقابل، تستطيع الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية البقاء تحت الماء لفترات طويلة، وقطع مسافات كبيرة دون الحاجة إلى الصعود المتكرر، وهو ما يمنحها مزايا مهمة في العمليات البحرية بعيدة المدى.
أوكوس مشروع لبناء القدرات وليس لشراء المعدات فقط
يرى التحليل أن نجاح اتفاقية أوكوس لا ينبغي قياسه بمواعيد تسليم الغواصات أو تكلفتها المالية وحدها، بل بمدى قدرة أستراليا على تطوير منظومة دفاعية متكاملة تشمل تدريب الكوادر البشرية، وتحديث البنية التحتية، وتعزيز الصناعات العسكرية والبحوث العلمية.
كما يمثل التعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا فرصة للوصول إلى تقنيات متقدمة، وتوسيع الخبرات الصناعية والهندسية الأسترالية، بما يساعد البلاد على تعزيز قدراتها الدفاعية على المدى الطويل.
ويُعد مشروع تمركز الغواصات الأمريكية من طراز «فيرجينيا» بصورة دورية في غرب أستراليا أحد أبرز مظاهر هذا التعاون، إذ يتيح فرصاً للتدريب واكتساب الخبرات قبل وصول الغواصات الأسترالية المستقبلية.
التكلفة الضخمة تثير تساؤلات
تُقدر التكلفة الإجمالية لبرنامج الغواصات ضمن أوكوس بما يصل إلى 368 مليار دولار أسترالي على مدى ثلاثة عقود، وهو رقم يثير نقاشاً واسعاً بشأن الأولويات الاقتصادية والدفاعية.
لكن مؤيدي المشروع يعتبرون هذه النفقات استثماراً طويل الأجل في الأمن القومي، خاصة إذا ساهمت في تطوير الصناعات المحلية وتوفير المهارات والتكنولوجيا التي تحتاج إليها أستراليا مستقبلاً.
وفي المقابل، تظل هناك تساؤلات مشروعة بشأن مخاطر التأخير، وارتفاع التكاليف، ومدى اعتماد أستراليا على شركائها الدوليين في تشغيل هذه القدرات وصيانتها.
التكنولوجيا تغير مستقبل الحروب البحرية
تزداد أهمية هذا النقاش مع ظهور تقنيات جديدة تشمل المركبات البحرية ذاتية التشغيل، وأجهزة الاستشعار المتقدمة، والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، التي قد تجعل اكتشاف الغواصات أكثر سهولة مستقبلاً.
ومع ذلك، لا تزال أعماق المحيطات بيئة معقدة يصعب مراقبتها بصورة كاملة، مما يعني أن الغواصات ستحتفظ على الأرجح بدور مهم في الاستراتيجيات الدفاعية خلال العقود المقبلة.
الاختبار الحقيقي يبدأ قبل وصول الغواصات
في النهاية، لا يتعلق مستقبل أوكوس بعدد الغواصات التي ستمتلكها أستراليا، وإنما بمدى استعدادها للاستفادة منها بكفاءة واستقلالية.
فالنجاح الحقيقي سيكون في بناء قوة بحرية متطورة، وصناعة دفاعية قادرة على الاستمرار، وكوادر وطنية تمتلك المعرفة والخبرة اللازمة لحماية المصالح الأسترالية.
وبذلك يصبح السؤال الأهم ليس متى تصل الغواصات النووية، بل ماذا ستكون أستراليا قد أنجزت من قدرات دفاعية وتكنولوجية قبل وصولها؟

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

