تواجه أستراليا أزمة إسكان متزايدة، في وقت تعاني فيه آلاف الأسر الشابة من صعوبة العثور على منازل مناسبة بأسعار معقولة. وفي المقابل، يعيش عدد كبير من كبار السن في منازل واسعة تضم غرفاً غير مستخدمة، وهو ما يثير تساؤلات حول إمكانية الاستفادة من هذه المساحات لتخفيف الضغط على سوق العقارات.
ملايين الغرف غير المستخدمة
كشف تقرير حديث بعنوان GemLife Downsizing Australia Report أن نحو 90% من الأسر التي يزيد عمر أفرادها على 55 عاماً تمتلك غرفة نوم إضافية واحدة على الأقل، بينما تمتلك 60% منها غرفتين إضافيتين أو أكثر.
وتشير التقديرات إلى وجود نحو 13 مليون غرفة نوم شاغرة في مختلف أنحاء أستراليا، لكن كثيراً من أصحاب المنازل يستخدمون هذه الغرف لاستقبال الأبناء والأحفاد أو ممارسة الهوايات والعمل من المنزل.
وأظهرت أبحاث المعهد الأسترالي للإسكان والبحوث الحضرية (AHURI) أن نحو 60% من أصحاب المنازل الذين تراوحت أعمارهم بين 65 و74 عاماً في عام 2001 ظلوا في العقار نفسه بعد مرور 15 عاماً.
لماذا يفضل كبار السن البقاء؟
لا يرتبط قرار البقاء في المنزل الكبير بالراحة أو الذكريات العائلية فقط، بل توجد أسباب مالية تجعل الانتقال إلى منزل أصغر أمراً غير جذاب للكثيرين.
فبيع المنزل وشراء عقار جديد قد يترتب عليه دفع رسوم دمغة عقارية وتكاليف للوكلاء العقاريين والانتقال، ما يقلل الفائدة المالية المتوقعة من هذه الخطوة.
كما يخشى بعض المتقاعدين تأثير بيع منازلهم على استحقاق معاش التقاعد الحكومي، إذ يُستثنى المنزل الرئيسي عادة من اختبار الأصول الخاص بالمعاش، بينما قد تدخل الأموال المتبقية من البيع ضمن الأصول المحتسبة.
ويضاف إلى ذلك أن المنازل الكبيرة الواقعة في الضواحي القديمة والمميزة غالباً ما تحقق ارتفاعاً أكبر في قيمتها مع مرور الوقت، ما يشجع أصحابها على الاحتفاظ بها باعتبارها استثماراً طويل الأجل يمكن توريثه للأبناء.
نقص المنازل المناسبة للمتقاعدين
حتى كبار السن الراغبون في الانتقال يواجهون مشكلة أخرى، تتمثل في قلة المنازل الصغيرة التي تلبي احتياجاتهم.
فقد أظهر استطلاع شمل 2100 شخص تجاوزوا الخمسين عاماً أن المنازل المكونة من غرفتين أو ثلاث غرف نوم هي الأكثر طلباً، خصوصاً إذا كانت سهلة الصيانة وآمنة وقريبة من المتاجر والخدمات الصحية ووسائل النقل.
ويرى خبراء الإسكان أن تشجيع بناء المزيد من الوحدات السكنية المتوسطة الكثافة والمناسبة لكبار السن قد يساعد في تحرير المنازل الكبيرة للأسر التي تحتاج إليها.
هل تساعد الإصلاحات الضريبية؟
دعت النائبة المستقلة مونيك رايان إلى إعادة النظر في الضرائب المفروضة على شراء العقارات، واقترحت استبدال رسوم الدمغة بضريبة أوسع على الأراضي، بهدف تقليل التكلفة التي يتحملها أصحاب المنازل عند الانتقال.
وقدمت بعض الولايات الأسترالية بالفعل إعفاءات أو تخفيضات لفئات معينة من كبار السن عند شراء مساكن جديدة.
كما تسمح الحكومة الفيدرالية للأستراليين المؤهلين الذين تبلغ أعمارهم 55 عاماً فأكثر بتحويل جزء من عائد بيع منازلهم إلى حسابات التقاعد الادخارية، وفق شروط وحدود محددة.
وخلال السنة المالية 2024–2025، استفاد نحو 15,800 شخص من هذا النظام، وبلغ إجمالي مساهماتهم حوالي 4.165 مليار دولار أسترالي.
أزمة تتطلب حلولاً طويلة الأمد
مع استمرار ارتفاع نسبة كبار السن في المجتمع الأسترالي، يتوقع الخبراء أن تصبح مسألة توزيع المساحات السكنية أكثر أهمية خلال العقود المقبلة.
ويرى الباحثون أن الاستفادة الأفضل من المنازل الموجودة قد تساعد الأسر الشابة على الوصول إلى مساكن أكبر، وتمنح المتقاعدين فرصة للاستفادة من قيمة ممتلكاتهم.
لكن تحقيق ذلك يتطلب توفير بدائل سكنية مناسبة، وتخفيف تكاليف الانتقال، وإصلاح السياسات الضريبية التي تجعل الاحتفاظ بالمنازل الكبيرة أكثر جاذبية من بيعها.
وفي النهاية، لا يكمن الحل في مطالبة كبار السن بالتخلي عن منازلهم، بل في توفير خيارات تمنحهم الحرية والأمان المالي، وتساعد في الوقت نفسه على جعل سوق الإسكان أكثر توازناً بين الأجيال.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

