تواجه أستراليا تحدياً متزايداً في توفير العمالة الماهرة، خاصة في قطاعات البناء والتعدين والطاقة والصيانة والخدمات الأساسية. وبينما تواصل الشركات البحث عن موظفين جدد لسد النقص، يبرز سؤال مهم: هل تستفيد المؤسسات بالفعل من وقت وخبرات العاملين لديها؟

نقص العمالة ليس المشكلة الوحيدة

تشير بيانات هيئة الوظائف والمهارات الأسترالية (Jobs and Skills Australia) إلى أن الفنيين وأصحاب المهن الحرفية كانوا من أصعب الفئات المهنية في التوظيف خلال الربع المنتهي في يونيو 2026.

ويؤدي هذا النقص إلى تأخير أعمال الصيانة، وزيادة ساعات العمل الإضافية، وتراكم الطلبات، مما يضع ضغوطاً إضافية على الشركات والعاملين.

لكن زيادة عدد الموظفين لا تعني بالضرورة زيادة الإنتاجية. فقد تمتلك المؤسسة فريقاً كبيراً من الفنيين، بينما يضيع جزء كبير من يومهم في إجراءات إدارية وتنظيمية لا تتطلب مهاراتهم المتخصصة.

وفي إحدى الحالات التي تناولها التقرير، تبين أن الفني الواحد يفقد ما بين ساعة ونصف وساعتين يومياً بسبب الأعمال الورقية والأنظمة والإجراءات المعقدة.

وعند حساب هذه الساعات على مستوى مئات العاملين، تصبح الخسارة كبيرة، سواء من حيث الوقت أو تكلفة التشغيل.

الإنتاجية تبدأ من تنظيم العمل

أظهرت بيانات لجنة الإنتاجية الأسترالية أن إنتاجية العمل لم تسجل نمواً خلال ربع يونيو 2026، كما تراجعت بنسبة 0.2% على أساس سنوي.

وتوضح هذه الأرقام أن زيادة ساعات العمل وحدها لا تكفي لتحقيق نتائج أفضل، بل يجب تحسين طريقة توزيع المهام والاستفادة من الموارد المتاحة.

ويمكن للشركات تحقيق ذلك من خلال تقليل الأعمال الإدارية المتكررة، وتحسين جدولة الزيارات الميدانية، وتوفير المعدات والمعلومات اللازمة للفنيين قبل وصولهم إلى مواقع العمل.

كما يساعد التخطيط الجيد على تقليل الزيارات المتكررة التي تحدث نتيجة نقص قطع الغيار أو عدم توفر المعلومات الصحيحة.

التكنولوجيا وسيلة للمساعدة وليست للضغط

يمكن للأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي أن يسهما في تحسين كفاءة العمل، لكن نجاحهما يعتمد على كيفية استخدامهما.

وقد حذرت هيئة Safe Work Australia من أن تطبيق التكنولوجيا بطريقة غير مدروسة قد يؤدي إلى زيادة الأعباء وتقليل قدرة الموظفين على التحكم في أعمالهم.

لذلك ينبغي أن يكون الهدف من التحول الرقمي هو تسهيل المهام اليومية، وليس مراقبة العاملين باستمرار أو مطالبتهم بإنجاز المزيد دون توفير الدعم المناسب.

فالعامل الماهر يحتاج إلى بيئة تساعده على التركيز في تخصصه، بدلاً من إهدار وقته في إجراءات معقدة يمكن تبسيطها.

الحفاظ على المهارات الموجودة ضرورة اقتصادية

لا تزال أستراليا بحاجة إلى تدريب المزيد من العمال واستقطاب الكفاءات الجديدة، لكن تحسين الاستفادة من العاملين الحاليين يمثل خطوة لا تقل أهمية.

وتعتمد قطاعات حيوية مثل النقل والطاقة والاتصالات والبنية التحتية على توفر الفنيين المؤهلين لإنجاز الأعمال في الوقت المناسب.

كما أن تحسين ظروف العمل وتقليل المهام غير الضرورية يمكن أن يساعد الشركات على الاحتفاظ بموظفيها وتقليل الضغوط التي تدفع بعضهم إلى ترك وظائفهم.

وفي النهاية، لا يكمن الحل في توظيف المزيد من الأشخاص فقط، بل في منح العاملين الحاليين الوقت والأدوات المناسبة لأداء وظائفهم بكفاءة.

فأستراليا لا تحتاج إلى المزيد من المهارات فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى التوقف عن إهدار المهارات التي تمتلكها بالفعل.