مع استمرار الضغوط المالية على الأسر الأسترالية وارتفاع أسعار الفائدة، يتزايد الجدل حول طبيعة القروض العقارية في أستراليا، ومدى قدرتها على توفير الاستقرار للمقترضين مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية.

ففي الوقت الذي يستطيع فيه بعض أصحاب المنازل في الخارج تثبيت الفائدة على قروضهم لعشرات السنوات، يظل معظم الأستراليين مرتبطين بقروض ذات فائدة متغيرة، تجعل أقساطهم الشهرية عرضة للارتفاع كلما قرر البنك المركزي تشديد السياسة النقدية.

ارتفاع الفائدة يدفع الأسر إلى البحث عن الأمان

قرر المواطن الأسترالي أندرو كليفورد في مارس الماضي تحويل قرضه العقاري من الفائدة المتغيرة إلى الثابتة لمدة عامين، خوفاً من زيادة الأعباء المالية على أسرته.

وجاء قراره قبل رفع بنك الاحتياطي الأسترالي سعر الفائدة النقدي من 4.35% إلى 4.6%، وهو أعلى مستوى له منذ 15 عاماً.

ورغم شعوره بالارتياح بعد تثبيت الفائدة، يرى كليفورد أن أصحاب القروض العقارية يتحملون جانباً كبيراً من تكلفة مكافحة التضخم، متمنياً لو كانت القروض الثابتة طويلة الأجل، مثل تلك المتاحة في الولايات المتحدة، متوفرة في أستراليا.

وتشير بيانات بنك الاحتياطي الأسترالي إلى أن أقل من 5% من المقترضين لديهم قروض بفائدة ثابتة، بينما تعتمد الغالبية العظمى على الفائدة المتغيرة.

الولايات المتحدة توفر استقراراً يمتد إلى 30 عاماً

تتميز السوق الأمريكية بإمكانية الحصول على قرض عقاري بفائدة ثابتة لمدة 30 عاماً، ما يمنح الأسر قدرة أكبر على التخطيط لنفقاتها المستقبلية دون القلق من تقلبات أسعار الفائدة.

ويعود ذلك جزئياً إلى دور مؤسسات مدعومة حكومياً، مثل فاني ماي وفريدي ماك، التي تساعد في تقليل المخاطر التي تواجه المقرضين، إلى جانب وجود سوق واسعة لبيع الأوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية.

ويوضح الخبير الاقتصادي بجامعة نيو ساوث ويلز، ريتشارد هولدن، أن هذه المنظومة صُممت لدعم امتلاك المنازل ومنح المقترضين مزيداً من اليقين المالي.

لكن القروض طويلة الأجل ليست خالية من العيوب، إذ قد يجد المقترض نفسه ملتزماً بفائدة مرتفعة بينما تنخفض الأسعار المتاحة للمقترضين الجدد، ما لم يتمكن من إعادة تمويل قرضه بشروط مناسبة.

اليابان تستفيد من عقود الفائدة المنخفضة

في اليابان، ساعدت أسعار الفائدة شديدة الانخفاض على مدى عقود في انتشار القروض العقارية طويلة الأجل، التي قد تمتد إلى 35 عاماً.

ويشير الدكتور دووون لي، من جامعة سيدني، إلى أن بعض البنوك اليابانية قدمت خلال فترات معينة قروضاً تغطي كامل قيمة العقار دون دفعة مقدمة للمواطنين والمقيمين الدائمين.

غير أن اتجاه بنك اليابان إلى رفع أسعار الفائدة بدأ يغير الظروف التي سمحت باستمرار هذه التسهيلات.

كوريا الجنوبية تجمع بين المرونة والتدخل الحكومي

أما في كوريا الجنوبية، فلا تزال القروض ذات الفائدة المتغيرة شائعة، لكن الفارق بين أسعار الفائدة الثابتة والمتغيرة غالباً ما يكون أقل من نظيره في أستراليا.

وتنتشر القروض الثابتة لفترات تتراوح بين خمس وسبع سنوات، بينما تعمل الحكومة على تشجيع الاقتراض طويل الأجل، مع استهداف وصول نسبة القروض ذات الفائدة الثابتة إلى ثلث السوق على الأقل بحلول نهاية 2026.

وتؤثر طبيعة سوق الإيجارات الكورية أيضاً في التمويل العقاري، خصوصاً نظام «جيونسي»، الذي يدفع فيه المستأجر مبلغاً كبيراً مقدماً يُعاد إليه عند انتهاء عقد الإيجار.

كما تساهم الضرائب المرتفعة على أرباح بيع العقارات خلال فترات قصيرة في الحد من المضاربة السريعة، وتشجيع الاحتفاظ بالمنازل لفترات أطول.

هل تستطيع أستراليا تغيير نظام القروض العقارية؟

يرى خبراء الاقتصاد أن توفير قروض ثابتة لمدة 30 عاماً في أستراليا يتطلب تغييرات واسعة في سوق التمويل العقاري، وليس مجرد قرار تتخذه البنوك بصورة منفردة.

وقد يساعد إصدار الحكومة سندات طويلة الأجل وتطوير آليات لتوزيع المخاطر في تشجيع المؤسسات المالية على تقديم منتجات تمويل أكثر استقراراً.

ومع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت الحاجة إلى خيارات تمويل عقاري أكثر تنوعاً قضية مهمة للأسر الأسترالية.

ويبقى السؤال الأهم: هل تتجه أستراليا نحو نظام يمنح أصحاب المنازل حماية أطول من تقلبات الفائدة، أم يستمر المقترضون في تحمل مخاطر التغيرات الاقتصادية عاماً بعد آخر؟