يتصاعد الجدل السياسي في أستراليا حول خفض معدلات الهجرة، مع طرح الأحزاب الرئيسية رؤى مختلفة للحد من صافي الهجرة الخارجية. لكن وسط التركيز على الأرقام والضغوط التي تواجه المدن الكبرى، تبرز قضية أخرى لا تحظى بالاهتمام الكافي، وهي مستقبل المناطق الريفية والإقليمية التي تواجه بالفعل خطر تقلص عدد السكان.

وتشير التوقعات السكانية إلى أن أجزاء واسعة من أستراليا الإقليمية قد تشهد خلال العقود المقبلة انخفاضاً في معدلات المواليد، وتراجعاً في أعداد المهاجرين، إلى جانب ارتفاع متوسط أعمار السكان. ويعني ذلك وجود عدد أقل من الشباب والعاملين القادرين على دعم الاقتصادات المحلية وتوفير الخدمات الضرورية لكبار السن.

ولا تبدو الصورة واحدة في جميع المناطق. فالمدن الإقليمية التي يزيد عدد سكانها على 50 ألف نسمة تتمتع بفرص أفضل للاستمرار في النمو، وإن كان بوتيرة أبطأ من العواصم الكبرى. أما البلدات الأصغر، فتواجه تحديات أكبر، خصوصاً أن الهجرة الخارجية لعبت خلال السنوات الأخيرة دوراً مهماً في دعم نموها السكاني.

ويكتسب المهاجرون أهمية خاصة لأن نسبة كبيرة منهم تقع ضمن الفئات العمرية القادرة على العمل وتكوين الأسر، ولا سيما من تتراوح أعمارهم بين 25 و44 عاماً. ويساعد وصول هذه الفئات إلى المناطق الإقليمية في تعويض انتقال الكثير من الشباب المحليين إلى المدن الكبرى بحثاً عن الدراسة والعمل وفرص الحياة المختلفة.

وتكمن خطورة التراجع السكاني في أنه قد يتحول إلى دائرة يصعب كسرها. فعندما ينخفض عدد السكان، يتراجع الطلب على المتاجر والخدمات، وتصبح بعض المشروعات أقل قدرة على الاستمرار، بينما تقل فرص العمل. وقد يدفع ذلك مزيداً من السكان إلى الرحيل، ما يزيد المشكلة تعقيداً.

ولا يقتصر التأثير على الاقتصاد فقط، بل يمتد إلى الحياة الاجتماعية. فالبلدات الصغيرة تعتمد بدرجة كبيرة على المتطوعين في الأندية الرياضية والجمعيات المحلية وخدمات الطوارئ والأنشطة الثقافية، ولذلك فإن انخفاض عدد السكان قد يؤدي إلى إضعاف الروابط المجتمعية التي تحافظ على حيوية هذه المناطق.

وفي المقابل، تقدم بعض مجتمعات السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس صورة مختلفة، إذ تستفيد من التركيبة السكانية الأصغر سناً ومعدلات المواليد الأعلى في بعض الولايات والمناطق. ويبقى التحدي في تحويل هذا النمو السكاني إلى فرص اقتصادية حقيقية، ودعم المشروعات المملوكة للسكان الأصليين وخلق وظائف تسمح لهم بالبقاء والعمل في مجتمعاتهم.

من هنا، تبدو الحاجة واضحة إلى سياسة سكانية طويلة الأجل لا تنظر إلى الهجرة باعتبارها مجرد رقم وطني. فتوجيه جزء أكبر من المهاجرين إلى المناطق الإقليمية، بالتوازي مع توفير السكن والبنية التحتية والخدمات وفرص العمل، يمكن أن يساعد على حماية العديد من البلدات من الانكماش.

النقاش حول الهجرة، إذن، لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: كم مهاجراً تحتاج أستراليا؟ بل يجب أن يشمل أيضاً سؤالاً أكثر أهمية: أين تحتاج أستراليا إلى هؤلاء المهاجرين، وكيف يمكن استخدام السياسة السكانية للحفاظ على مستقبل المناطق الإقليمية؟