خلال الأشهر الأخيرة، تصاعد الجدل حول قدرة القانون الدولي على الصمود في عالم تتزايد فيه النزاعات وتتحدى فيه بعض الدول القواعد والمؤسسات الدولية. ومع تعدد الحروب والانتهاكات، أصبح من السهل الاعتقاد بأن النظام القانوني الدولي يفقد تأثيره، خصوصاً عندما تكون الدول القوية طرفاً في الأزمات.
لكن انتهاك القانون لا يعني بالضرورة أن القانون لم يعد موجوداً. فالقوانين الداخلية، على سبيل المثال، لا تفقد قيمتها لمجرد وقوع السرقة أو الجرائم. وبالمثل، وُضعت قواعد القانون الدولي تحديداً لمنع استخدام القوة بصورة غير مشروعة، وحماية المدنيين، والحد من التهجير القسري، وتنظيم العلاقات بين الدول.
وتظهر أهمية هذه القواعد عندما يتم توثيق الانتهاكات والتحقيق فيها ومناقشتها داخل المؤسسات الدولية، بما يفتح الباب أمام المساءلة مستقبلاً. كما أن لجوء الحكومات نفسها إلى تقديم مبررات قانونية لقراراتها يشير إلى أن الشرعية الدولية لا تزال عاملاً مهماً في السياسة العالمية.
بالنسبة لأستراليا، فإن هذه القضية تحمل أهمية خاصة. فأستراليا قوة متوسطة تعتمد بدرجة كبيرة على نظام دولي قائم على القواعد، سواء في حرية الملاحة أو التجارة أو ضبط التسلح ومنع الانتشار النووي أو احترام الحدود وسيادة الدول. ولذلك كانت أستراليا تاريخياً من الدول الداعمة للنظام متعدد الأطراف.
وفي الوقت نفسه، تواجه كانبرا تساؤلات حول مدى توافق بعض مواقفها الأخيرة مع خطابها الداعم للقانون الدولي. وتزداد أهمية هذه التساؤلات مع سعي أستراليا للحصول على مقعد في مجلس الأمن الدولي، حيث أكدت الحكومة مراراً أن العالم يحتاج إلى قواعد تحكم العلاقات بين الدول بدلاً من الاعتماد على القوة وحدها.
كما تحدثت وزيرة الخارجية بيني وونغ عن أهمية منع النزاعات وحماية المدنيين والدفاع عن القواعد التي توفر الأمن للدول، بينما أكدت الحكومة أن احترام القانون الدولي يخدم المصالح الأمنية والاقتصادية الأسترالية.
وفي هذا السياق، أثار طرح ما يعرف بـ”حزمة الخطوط الحمراء” في البرلمان نقاشاً حول إمكانية تحويل هذه التصريحات إلى خطوات عملية، خاصة بعد عدم إحالة المقترح إلى تحقيق من لجنة في مجلس الشيوخ.
القضية في النهاية لا تتعلق بما إذا كان القانون الدولي قد انتهى، بل بمدى استعداد الدول للدفاع عنه عندما يصبح الالتزام به صعباً. ومع طموح أستراليا للعب دور أكبر في مجلس الأمن، ستكون أفعالها، وليس تصريحاتها فقط، هي الاختبار الحقيقي لمدى التزامها بالنظام الدولي القائم على القواعد.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

