قد تكفي قطعة بسكويت أو وجبة أُعدّت على طريقة الجدة لتعيد إلى المهاجر ذكريات بيت تركه بعيداً. وفي أستراليا، يجد بعض أبناء الجاليات هذا الشعور لدى أشخاص يطبخون من منازلهم، ويبيعون أطباقاً تقليدية يصعب العثور عليها في المطاعم والمتاجر.

هذه المطابخ الصغيرة تمنح أصحابها دخلاً إضافياً، لكنها تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً؛ إذ تساعد على حفظ وصفات العائلة، وتفتح باب التعارف بين الجيران، وتمنح المشترين شيئاً من دفء الوطن.

ميشيل راغوز، وهي أم لثلاثة أطفال تعيش في منطقة أوسترال جنوب غربي سيدني، تعدّ البسكويت والحلوى الكرواتية وتبيعها عبر إنستغرام. وأكثر ما يسعدها أن يخبرها أحد الزبائن بأن ما تصنعه يشبه حلوى جدته. فهدفها منذ البداية كان استعادة النكهات التي ارتبطت بطفولتها وكرم ضيافة والدتها.

بدأت راغوز مشروعها خلال جائحة كورونا، عندما لاحظت حاجة أبناء الجالية إلى حلوياتهم المعتادة دون إمكانية الحصول عليها بالتوصيل. ويزداد الطلب قبل عيدَي الميلاد والفصح، حتى إنها تعدّ نحو ألف قطعة في فترات الذروة. وينتمي معظم زبائنها إلى أصول بلقانية، بينما تعرّف آخرون إلى منتجاتها بعدما تذوقوها لدى أصدقاء أو جيران.

وتزداد أهمية هذه الخدمة لكبار السن الذين لم يعودوا قادرين على إعداد الوصفات بأنفسهم، بسبب مشكلات صحية أو صعوبة الوقوف والعمل لفترات طويلة.

وفي ملبورن، تجد كارول بيرديغاو، التي انتقلت من البرازيل قبل ست سنوات، راحتها في طلب أطباق تقليدية من طاهية منزلية عبر واتساب. وتختار وجبات مثل يخنة الفاصوليا وفطيرة قلوب النخيل، وهي أطعمة تقول إن العثور عليها ليس سهلاً في المطاعم البرازيلية التي تركز غالباً على اللحوم. وتساعدها هذه الوجبات على الاحتفاظ بعادتها اليومية: تناول غداء دافئ يشبه طعام البيت.

أما سارة، وهو اسم مستعار لامرأة صينية تعيش في سيدني، فتبيع كميات محدودة من الزلابية عبر صفحة محلية على فيسبوك. وتنظر إلى نشاطها باعتباره هواية تمنحها فرصة للحديث مع الجيران والشعور بالتقدير. وتجمع وصفتها بين طريقة جدتها في تقطيع الحشوة يدوياً، وتعديلات تناسب ذوق زوجها وأطفالها وزبائنها.

وترى الباحثة في علم الاجتماع الثقافي سيان سوبسكي، من جامعة موناش، أن الطعام يساعد المهاجرين على بناء علاقة بالمكان الجديد. فقد استخدمت نساء مهاجرات مشاركة الأطباق مع الجيران وسيلة للتواصل منذ خمسينيات القرن الماضي، ثم تبادلن معهم الوصفات.

وهكذا، تتحول وجبة منزلية بسيطة إلى مساحة للقاء. يحمل الطعام ذكريات أصحابه، لكنه يمنح الآخرين أيضاً فرصة للتعرف إلى ثقافات مختلفة، وبناء ألفة تبدأ أحياناً من أول لقمة.