لطالما كانت الهجرة جزءاً أساسياً من قصة أستراليا، ليس فقط من حيث النمو السكاني، بل أيضاً في تشكيل الاقتصاد والمجتمع والثقافة والهوية الوطنية. ويرى الاقتصادي والكاتب والمسؤول الحكومي السابق مارك كولي أن فهم تاريخ أستراليا الحديث لا يكتمل من دون وضع الهجرة في قلب هذه القصة.
وخلال فعالية أقيمت في الجامعة الوطنية الأسترالية ANU لمناقشة كتابه الجديد «Waves of Plenty: Immigration and the Making of Australia»، تحدث كولي عن تأثير موجات الهجرة المتعاقبة في تطور البلاد، وكيف ساهم القادمون الجدد في تحويل أستراليا إلى مجتمع أكثر تنوعاً وانفتاحاً على العالم.
ويستند كولي في رؤيته إلى خبرة طويلة في مجالات الاقتصاد والسياسات العامة والهجرة. فقد شغل مناصب اقتصادية بارزة في الحكومة الفيدرالية، وعمل في ملفات تتعلق بالهجرة والصناعة، كما شارك في أعمال دولية مرتبطة بسياسات الهجرة.
ويشير كولي إلى أن أحد أهداف كتابه هو معالجة ما يراه نقصاً في الاهتمام بدور المهاجرين في كثير من الروايات العامة لتاريخ أستراليا. ومن وجهة نظره، لا ينبغي التعامل مع الهجرة باعتبارها قضية حديثة أو منفصلة، لأنها كانت عنصراً رئيسياً في مسيرة البلاد ونموها الاقتصادي والاجتماعي.
ويولي الكاتب اهتماماً خاصاً بفترة السبعينيات، التي يعتبرها مرحلة شديدة الأهمية في تاريخ الهجرة الأسترالية، ولا تقل في تأثيرها عن موجات الهجرة الكبيرة التي شهدتها البلاد بعد الحرب العالمية الثانية خلال خمسينيات القرن الماضي.
وبحلول نهاية السبعينيات، أصبحت أستراليا أكثر تنوعاً، وظهر تأثير المجتمعات المهاجرة بصورة واضحة، خصوصاً في المدن الكبرى. ولم يقتصر هذا التأثير على سوق العمل والاقتصاد، بل امتد إلى الطعام والفنون والثقافة والحياة الاجتماعية والعلاقات اليومية بين السكان.
كما تناول النقاش أهمية الروابط الأسرية والمجتمعية في مساعدة المهاجرين على الاستقرار وبناء حياة جديدة، إضافة إلى تجارب أبنائهم والأجيال التالية.
وتفتح هذه الرؤية الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل نظام الهجرة في أستراليا، في وقت تواصل فيه البلاد البحث عن التوازن بين احتياجات الاقتصاد والنمو السكاني والقدرة على استيعاب القادمين الجدد. وفي النهاية، تبقى الهجرة واحدة من القوى الرئيسية التي ساهمت في تشكيل أستراليا التي نعرفها اليوم.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

