شهدت أستراليا خلال ربع القرن الماضي تحولاً كبيراً في مفهوم «القوة الثقافية»، مع انتقال التأثير تدريجياً من وسائل الإعلام التقليدية والشخصيات الإذاعية البارزة إلى المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت تلعب دوراً متزايداً في تشكيل النقاش العام.
قبل نحو 25 عاماً، كانت الإذاعة والتلفزيون والصحف قادرة على توجيه جانب كبير من الحوار الوطني، وكان عدد محدود من الشخصيات الإعلامية والسياسية يمتلك تأثيراً واسعاً على الجمهور. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد بصورة واضحة، وأصبح المحتوى موزعاً بين منصات مثل تيك توك ويوتيوب وإنستغرام وغيرها. وتشير بيانات حديثة عن قطاع الإعلام الأسترالي إلى استمرار انتقال الجمهور والمحتوى نحو المنصات الرقمية والمتعددة القنوات.
هذا التحول منح الجمهور خيارات أوسع، لكنه في الوقت نفسه خلق تحدياً جديداً يتعلق بسرعة استهلاك المعلومات. فالمستخدم قد يشاهد عشرات المقاطع القصيرة خلال دقائق قليلة، بينما تعتمد الخوارزميات على اهتماماته لتقديم المزيد من المحتوى المشابه. والنتيجة أن النقاشات الطويلة حول الثقافة والفنون والسياسة والهوية أصبحت تنافس محتوى سريعاً مصمماً لجذب الانتباه خلال ثوانٍ.
ويبرز وسط هذه التغيرات سؤال مهم حول الهوية الثقافية الأسترالية. فالمجتمع الأسترالي أصبح أكثر تنوعاً، بينما تستمر النقاشات حول التعددية الثقافية، وتمثيل المجتمعات المختلفة، ومكانة السكان الأصليين، ودور المؤسسات الثقافية والفنية في رواية القصص الأسترالية.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الرياضة واحدة من المساحات التي تجمع قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة مع التنوع الكبير في خلفيات الرياضيين الذين يمثلون أستراليا على المستوى الدولي.
كما تواجه المؤسسات الفنية تحديات مالية متزايدة، وسط نقاش مستمر حول حجم الدعم والاستثمار في المسرح والموسيقى والأوبرا وغيرها من الفنون. ومع توسع الاقتصاد الرقمي وصعود صناع المحتوى، أصبحت الصناعات الإبداعية التقليدية مطالبة أيضاً بالتكيف مع طرق جديدة للوصول إلى الجمهور.
وبعد 25 عاماً من التحولات، لم تعد القوة الثقافية مرتبطة فقط بمن يمتلك محطة إذاعية أو صحيفة أو شاشة تلفزيون، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بمن يستطيع جذب الانتباه في عالم رقمي سريع ومتغير. ويبقى التحدي أمام أستراليا هو الحفاظ على صوتها وقصصها المحلية في فضاء إعلامي أصبحت فيه المنصات العالمية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

