تتصاعد في أستراليا المناقشات حول مستويات الهجرة، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً متزايدة مرتبطة بتكاليف المعيشة والإسكان وضعف نمو الإنتاجية. وبينما تطرح الأحزاب السياسية رؤى مختلفة لخفض صافي الهجرة، يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل تقليل أعداد المهاجرين وحده قادر على تحسين مستوى معيشة الأستراليين؟
تكشف أحدث بيانات مكتب الإحصاءات الأسترالي أن عدد سكان أستراليا ارتفع بنحو 392,700 شخص خلال العام المنتهي في مارس 2026، ليصل إلى نحو 27.9 مليون نسمة. وجاء نحو 292,100 شخص من هذه الزيادة نتيجة صافي الهجرة الخارجية، بينما ساهمت الزيادة الطبيعية للسكان بنحو 100,600 شخص.
وتضع هذه الأرقام الهجرة مجدداً في قلب النقاش السياسي والاقتصادي، خصوصاً مع استمرار الضغوط على سوق الإسكان والبنية التحتية والخدمات العامة.
وتختلف المقترحات السياسية بشأن المستوى المناسب للهجرة. فحزب One Nation يدعو إلى خفض أكثر حدة، بينما تربط المعارضة مستويات الهجرة بقدرة البلاد على توفير المساكن. أما حكومة حزب العمال، فقد وضعت هدفاً لصافي الهجرة يبلغ 245 ألف شخص خلال السنة المالية الحالية، على أن ينخفض إلى 225 ألفاً في 2027-2028.
لكن القضية لا تتوقف عند عدد القادمين إلى البلاد. فخفض الهجرة قد يخفف بعض الضغوط، لكنه قد يؤثر أيضاً في قطاعات تعتمد على العمالة الأجنبية، من بينها الزراعة والتعليم وبعض الصناعات التي تعاني نقصاً في المهارات.
وفي المقابل، يلفت النقاش الاقتصادي الأنظار إلى مشكلة أخرى هي ضعف الإنتاجية والاستثمار. فزيادة عدد السكان قد تدعم حجم الاقتصاد الكلي، لكن التحسن الحقيقي في مستوى معيشة الفرد يحتاج أيضاً إلى زيادة الإنتاج والاستثمار واستخدام التكنولوجيا بكفاءة أكبر.
وتقدم كندا مثالاً حديثاً على محاولة معالجة هذه المشكلة، بعدما أعلنت حزمة تهدف إلى تشجيع استثمارات الشركات. وتشمل الإجراءات الكندية حوافز ضريبية للاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية والبحث والتطوير وغيرها من الأصول الإنتاجية، وتقول الحكومة الكندية إن الإجراءات الجديدة ستخفض معدل الضريبة الفعلي الهامشي على الاستثمارات الجديدة إلى 6.4%.
وبالنسبة لأستراليا، فإن التحدي قد يكون أوسع من مجرد تحديد رقم سنوي للهجرة. فالوصول إلى اقتصاد قادر على تحسين دخل الفرد ومستوى المعيشة يتطلب معالجة متوازنة للهجرة والإسكان والاستثمار ونقص المهارات والإنتاجية.
لذلك، سيظل الجدل قائماً حول العدد المناسب للمهاجرين، لكن الأرقام وحدها لن تحسم القضية. والسؤال الأهم على المدى الطويل هو كيف تستطيع أستراليا تحقيق نمو اقتصادي ينعكس بصورة واضحة على حياة الأفراد، وليس فقط على حجم الاقتصاد.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

