
ترأس راعي الأبرشية المارونية في أستراليا ونيوزيلندا وأوقيانيا، صاحب السيادة المطران أنطوان -شربل طربيه، قدّاس الشكر لمناسبة تطويب البطريرك الياس الحويّك، في كاتدرائية سيدة لبنان في هاريس بارك يوم السبت الواقع في 5 أيلول/سبتمبر وذلك بدعوة من راهبات العائلة المقدّسة المارونيات في أستراليا .
حضر القدّاس راعي أبرشية الملكيين الكاثوليك في استراليا، سيادة المطران روبرت ربّاط، الرئيس العام لجمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة، الأباتي الياس سليمان، النائب العام للأبرشية المارونية، الموسينيور مارسيلينو يوسف، الأم الرئيسة لراهبات العائلة المقدسة، الأخت ماري أنطوانيت سعادة القادمة من لبنان، كما شاركت النائبة جوليا فين وسعادة قنصل لبنان العام في نيو ساوث ويلز السيد ريمون الشملاتي ، وراهبات العائلة المقدسة في أستراليا إلى جانب كاهن رعية سيدة لبنان الأب داني نوح وعدد من الكهنة.
وفي ما يلي عظة سيادة المطران أنطوان-شربل طربيه خلال قداس الشكر.
“أيها الاخوة والاخوات بالرب يسوع المسيح،
في هذا المساء المبارك، نجتمع معًا لنرفع الشكر لله على نعمة جديدة أفاضها على كنيستنا، نعمة تطويب البطريرك الياس الحويّك، الراعي الأمين الذي حمل في قلبه الإيمان والوطن، وجسّد في حياته معنى الخدمة والتفاني.
وفي تاريخ الكنيسة رجالٌ يبقى نورهم حاضرًا عبر الزمن، ومن بينهم يسطع الطوباوي البطريرك الياس الحويّك، أبًا لشعبه وراعياً أمينًا لهم وأحد كبار بناة لبنان الكبير.
واليوم، ومن كاتدرائية سيّدة لبنان، نرفع صلاة شكر للربّ على نعمة القداسة في كنيستنا وخاصة الطوباوي الجديد الذي تعلّمنا من حياته أنّ الإيمان والعمل لا ينفصلان. فقد عاش رجل صلاة ومسؤولية، قريبًا من شعبه في الحرب والمجاعة والضيق، يعمل بلا كلل ليحفظ كرامة الإنسان ولقمة عيشه
وفي تأسيسه جمعية راهبات العائلة المقدّسة عام 1895، أدرك أنّ مستقبل الكنيسة والمجتمع يقوم على قوّة العائلة وتربية الأطفال وخدمة الضعفاء. وقد حملت الراهبات هذا الإرث بأمانة، فكنّ وما زلنَ يحملن هذه الرسالة الروحية في جماعاتنا من خلال خدمة العائلات والمدارس والمسنّين.
وبعد أكثر من قرن على تأسيس الرهبانية، وأكثر من مئة عام على قيام لبنان الكبير، نقف اليوم لنكرّم الطوباوي الحويّك، وأفضل تكريم له أن نبقى أمناء لروحانيته المثلثة الأبعاد: الإيمان بالله، المحبّة للبنان، والخدمة للإنسان.
أيها الاحباء،
إنّ تطويب البطريرك الياس بطرس الحويّك ليس فقط مناسبة نفتخر فيها بشخصية مارونية كبيرة ولامعة في تاريخ كنيستنا ووطننا، بل هو دعوة لكي نعود إلى الجذور وإلى الأسس التي بنى عليه حياته كلّها.
فالكنيسة لم تعلنه طوباوياً لانه كان رجل دولة، مع عظمة الدور الوطني الذي قام به، وليس لانه كان يتقن عدد من اللغات، بل لانه عاش حياته في حضرة الله، وكرس ذاته ووضع مواهبه في خدمة الكنيسة والإنسان والوطن. كان رجل العناية الإلهية، وكان يردّد بثقة: “الله يدبّر”، ولم تكن هذه الثقة هروباً من المسؤولية، بل كانت مصدر القوة التي جعلته يواجه أصعب الظروف برجاء وثبات وشجاعة
لقد عاش الحويّك مع شعبه زمن الحرب والمجاعة والاضطرابات، ورأى بعينيه الألم الذي أصاب العائلات والقرى، لكنه لم يسمح لليأس أن يدخل الى كيانه. بل حمل هموم الناس، ودافع عن الفقير والمحتاج، وسعى إلى تأمين الغذاء والمساعدة للجياع، وكان أباً حقيقياً لشعبه. وهنا نكتشف معنى القداسة في حياته: لم تكن القداسة بالنسبة إليه انفصالاً عن واقع الناس، بل دخولاً أعمق في هذا الواقع بقلب المسيح ورحمته. وكلّما اقترب الانسان من الله، اقترب أكثر من أخيه الإنسان، وكلّما تعمّقت صلاته، ازدادت مسؤوليته تجاه المتألّم والمحتاجين، عملا بما قاله الرب : لاجلهم أقدس انا ذاتي.
ومن هذا الإيمان أيضاً وُلدت رؤيته للبنان. لقد أحبّ لبنان حباً عميقاً، ولكن حبه لم يكن عاطفة او شعارات. بل كان يؤمن أن الوطن عطية ومسؤولية، وأن لبنان ليس مجرد مساحة جغرافية بل رسالة، وأن قيمته الحقيقية تكمن في الإنسان وفي قدرته على عيش التنوّع ضمن وحدة وطنية تحترم الجميع. لذلك دافع عن لبنان الكبير، وحمل قضيته إلى مؤتمر السلام، لأنه أراد وطناً حراً يستطيع فيه المسيحي والمسلم أن يعيشا معاً، لا بخوف الواحد من الآخر، بل بالشراكة والاحترام المتبادل لمبدأ التعددية لانه جزء مكون للهوية الوطنية. لذلك لا يمكن أن تلغي جماعة، جماعة أخرى، أو طائفة، طائفة أخرى، بل المطلوب أن يحقق اللبنانيون ذلك الانسجام في التنوّع الذي يحفظ لكل إنسان كرامته ولكل جماعة حضورها ضمن الوطن الواحد.
من هنا نفهم، أن لبنان لا يقوم على مبدأ العددية بل على مبدأ التعددية. وقد أراد البطريرك الحويك ان يقوم المسيحيون بالدور الاساس في قيام النموذج اللبناني التعددي، لانهم مدعوين قبل غيرهم ليكونوا حاضرين في وطنهم، متجذرين في أرضه، منفتحاين على الآخر، ومدافعين عن مبادىء الحرية والكرامة والعدالة. وقد كان يردد الطوباوي البطريرك الحويك : طائفتي هي لبنان، وأنا لكل اللبنانيين.
ومن هنا تأتي أيضاً مسؤوليتنا نحن أبناء الانتشار تجاه وطننا الام ، وكيفية والوقوف الى جانب أهله كما علمنا البطريرك الحويك. لقد أعطانا الله وطناً ثانيا نعيش فيه الان ونحبه ونخدمه هو أستراليا، وفي الوقت نفسه نحمل في قلوينا محبة لبنان. ولا أجد اي تناقض بين المحبتين. نحن مدعوون لأن نكون مواطنين صالحين وأمناء في أستراليا، وأن نساهم في خير هذا البلد الذي فتح لنا أبوابه وأعطى أبناءنا فرصاً كبيرة، ولكننا مدعوون أيضاً ألا ننسى لبنان وألا نعتبر أن مسؤوليتنا تجاهه انتهت عندما غادرناه. فالانتشار الماروني ليس انفصالاً عن الجذور، بل امتداد للرسالة واحياء لها.
واليوم، أمام الأجيال الجديدة في أستراليا، علينا أن نسأل أنفسنا ماذا سنسلّمهم. لا يكفي أن نسلّمهم أسماء قرانا أو ذكرياتنا أو بعض عاداتنا الجميلة، بل علينا أن نسلّمهم الإيمان الذي حمله أجدادهم، والارتباط بالمذبح والإفخارستيا الذي افتخروا به، ومحبة العذراء والقديسين النابعة من قلب الهوية، والروح المارونية التي استطاعت عبر القرون أن تحافظ على إيمانها وهويتها رغم كل الصعوبات. كنيستنا ليست متحفاً لذكريات الماضي، وليست ذكرى لما تركناه في لبنان؛ إنها كنيسة حيّة، ورسالتها مستمرة وتنموا سنة بعد سنة في سيدني وملبورن وأديلايد وبريزبن وفي كل مكان يوجد فيه أبناؤها.
في هذه الليلة، نطلب شفاعة الطوباوي البطريرك الياس الحويّك لكي يعزز الرب في نفوسنا هذه الروح، ويساعدنا لكي نكون أمناء لإرث القداسة والقديسين في كنيستنا، لا بالكلام او باللسان بل بالعمل والحق. نصلّي من أجل كنيستنا المارونية، لكي تبقى متجذّرة في إيمانها ومنفتحة على رسالتها في العالم، ونصلّي من أجل رهبات العائلة المقدسة المارونيات لكي يمن الله عليهن بدعوات رهبانية جديدة ومقدسة. ونصلّي أيضا من أجل أستراليا بلدنا العزيز والذي اعطانا الكثير، ومن أجل لبنان لكي يستعيد الثقة بنفسه وبرسالته، ولكي يبقى أرض الحرية والتنوّع والعيش المشترك.
وبشفاعة سيدة لبنان، التي أحبها البطريرك الحويّك ووضع ذاته وشعبه ووطنه تحت حمايتها، نسأل الرب أن يعطينا شيئاً من إيمانه عندما تضعف ثقتنا، ومن شجاعته عندما نخاف، ومن حكمته عندما تعبث فينا رياح الخلافات والانقسامات، ومن رجائه عندما يبدو المستقبل مظلماً. ولتكن نعمة تطويبه بداية تجدد لنا جميعاً، حتى لا نكتفي بأن نفتخر بما صنعه الذين سبقونا، بل نتحمل نحن أيضاً مسؤولية ما سنتركه لمن يأتي بعدنا.
أيها الطوباوي الياس الحويّك، صلِّ لأجلنا.


