عاد سوق العقارات في أستراليا إلى دائرة القلق، لكن هذه المرة ليس بسبب الارتفاع السريع في أسعار المنازل، وإنما بسبب مؤشرات التراجع التي بدأت تظهر في بعض الأسواق. ومع استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، تزداد التساؤلات حول ما إذا كانت البلاد تتجه نحو انخفاض كبير في قيمة العقارات خلال الفترة المقبلة.

أظهرت بيانات يوليو تراجع القيمة الإجمالية للمساكن الأسترالية بنحو 1.8%، من 12.77 تريليون دولار إلى نحو 12.54 تريليون دولار. ورغم أن الخسارة بالقيمة النقدية تبدو ضخمة، فإن نسبة الانخفاض تظل محدودة مقارنة بالارتفاعات القوية التي سجلها السوق خلال السنوات الماضية.

فمنذ أدنى مستوى للأسعار في فبراير 2023، ارتفع متوسط أسعار المنازل على المستوى الوطني بنحو 35%، رغم تحركات أسعار الفائدة خلال تلك الفترة. وكان من أبرز أسباب هذه القفزة النمو السكاني والهجرة القوية، إلى جانب ارتفاع تكاليف البناء بعد الجائحة وتراجع الموافقات على إنشاء مساكن جديدة.

وتشير بعض التوقعات المصرفية إلى احتمال انخفاض أسعار المنازل في سيدني وملبورن بنحو 10%. وإذا تحقق ذلك، فسيكون تراجعاً استثنائياً بالمقارنة مع العقود الماضية، لكنه لن يمحو جميع المكاسب التي تحققت منذ عام 2023، وقد يمنح المشترين بعض التحسن في القدرة على تحمل تكاليف السكن.

عصر الفائدة المنخفضة يبتعد

هناك عدة عوامل تضغط حالياً على الأسعار، من بينها زيادات أسعار الفائدة والتغييرات المتعلقة بالاستثمار العقاري والضرائب، والتي قد تدفع بعض المستثمرين إلى مغادرة السوق.

وفي المقابل، تظل مشكلة نقص المعروض قائمة. فإذا أدت السياسات الجديدة إلى انخفاض بناء المساكن مستقبلاً، فقد يعود الضغط الصعودي على الأسعار، خصوصاً مع استمرار الطلب السكاني.

كما يبدو أن حقبة أسعار الفائدة شديدة الانخفاض التي ميزت الفترة بين 2012 و2022 قد انتهت. فارتفاع عوائد السندات الحكومية عالمياً، وزيادة الديون والإنفاق الحكومي، تعني أن تكلفة الاقتراض قد تظل أعلى لفترة طويلة.

ويضاف إلى ذلك عامل جديد يتمثل في الذكاء الاصطناعي. فالاستثمارات الهائلة في مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة، بالتزامن مع زيادة الإنفاق العالمي على الدفاع والطاقة والتكنولوجيا.

وفي النهاية، ستظل أسعار الفائدة المرتفعة عاملاً مهماً يضغط على سوق العقارات الأسترالي، لكنها ليست العامل الوحيد. فمسار أسعار المنازل سيعتمد أيضاً على عدد السكان والهجرة، وحجم المعروض من المساكن، وتكاليف البناء والسياسات الحكومية. لذلك، فإن توقع اتجاه السوق خلال السنوات المقبلة يظل أكثر تعقيداً من مجرد متابعة قرارات البنك المركزي.