تشهد أستراليا تحولاً ديموغرافياً لافتاً مع استمرار انخفاض معدلات الإنجاب بوتيرة أسرع من التوقعات السابقة، ما يطرح تساؤلات مهمة حول شكل المجتمع والاقتصاد خلال العقود الأربعة المقبلة.
وتشير التوقعات المرتبطة بتقرير الأجيال الأسترالي لعام 2026 إلى أن معدل الخصوبة الإجمالي قد يصل إلى نحو 1.5 طفل لكل امرأة بحلول 2030-2031، قبل أن يواصل انخفاضه ليقترب من 1.34 طفل بحلول 2065-2066. وتُظهر هذه الأرقام تغيراً واضحاً مقارنة بتقرير عام 2023، الذي افترض استقرار معدل الخصوبة عند نحو 1.62 طفل لكل امرأة اعتباراً من 2030-2031.
ولا يمثل انخفاض المواليد ظاهرة جديدة في أستراليا. فقد ظل معدل الخصوبة دون مستوى الإحلال السكاني البالغ نحو 2.1 طفل لكل امرأة منذ عقود، بينما تؤكد البيانات الحديثة استمرار اتجاه كثير من الأسر نحو إنجاب عدد أقل من الأطفال.
وتقف وراء هذا التراجع مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية المتداخلة. فالكثير من الأستراليين يؤجلون تكوين الأسرة والإنجاب لفترات أطول، مع زيادة سنوات التعليم والسعي إلى الاستقرار المهني وتأخر تكوين العلاقات الأسرية. كما أن تأجيل الإنجاب لا يتم تعويضه دائماً بزيادة عدد الأطفال في مراحل عمرية لاحقة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى انخفاض متوسط عدد الأطفال لكل امرأة.
ويضاف إلى ذلك تأثير الضغوط المالية التي تواجه الأجيال الأصغر سناً، بما في ذلك ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة وعدم الاستقرار الاقتصادي والوظيفي. ولهذا أصبحت القرارات المتعلقة بتكوين الأسرة أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الكثير من الشباب.
ويحمل انخفاض معدل المواليد آثاراً تتجاوز حجم الأسرة نفسها، إذ يرتبط بمستقبل سوق العمل والإنفاق الحكومي والرعاية الصحية والخدمات المقدمة لكبار السن. وتشير التوقعات السكانية إلى استمرار ارتفاع متوسط عمر السكان وزيادة نسبة كبار السن خلال العقود المقبلة.
كما تزداد أهمية الهجرة في هذه المعادلة، إذ كانت الهجرة الخارجية المحرك الرئيسي للنمو السكاني في أستراليا خلال العقود الثلاثة الماضية. ومع استمرار انخفاض الخصوبة وارتفاع متوسط الأعمار، ستظل العلاقة بين المواليد والهجرة والمشاركة في سوق العمل من القضايا المهمة في التخطيط لمستقبل البلاد.
وتبقى توقعات العقود المقبلة عرضة للتغيير، خاصة أن الأزمات الاقتصادية والأوبئة والتطورات التكنولوجية والمناخية يمكن أن تؤثر في المسار السكاني والاقتصادي. لكن الاتجاه الحالي يوضح أن أستراليا تتجه نحو مجتمع أكبر سناً وأسر أصغر حجماً، وهو تحول ستكون له انعكاسات واسعة على الاقتصاد والخدمات والسياسات العامة.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

