في إحدى المجتمعات النائية للسكان الأصليين في منطقة شرق أرنهيم لاند بأستراليا، كشف حديث عابر مع طفل يبلغ من العمر 13 عاماً عن واقع مؤلم يعيشه كثير من أطفال هذه المناطق، حيث أصبح التفكير في الموت أمراً مألوفاً بدلاً من أن يكون استثناءً.
الطفل، الذي يعيش في مجتمع بانيالا الصغير، كان يتحدث بحماس عن ثقافته وتراثه، ويحمل بفخر علم حقوق البحر الذي يرمز إلى نضال مجتمعه من أجل الاعتراف بحقوقه التقليدية. وبينما كان يروي تفاصيل حياته وعلاقته بإخوته، فاجأ الجميع بسؤال غير متوقع عندما طلب من أحد الصحفيين أن يخمن لون نعشه المستقبلي، وكأن الأمر لا يختلف عن سؤال يتعلق بفريقه الرياضي المفضل.
هذا المشهد يعكس واقعاً صعباً تعيشه المجتمعات الأصلية في المناطق النائية، حيث يواجه السكان تحديات يومية تبدأ من نقص الخدمات الأساسية ولا تنتهي عند محدودية الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية. ففي بانيالا، التي يقطنها نحو 150 شخصاً، لا توجد متاجر لبيع مستلزمات الصيانة أو فنيون لإصلاح الأعطال، حتى إن صنابير المياه التالفة تظل تعمل باستمرار لعدم وجود من يصلحها.
وجاءت زيارة المنطقة بالتزامن مع مراسم إعادة دفن رفات تسعة من أسلاف شعب يولنغو، بعد أن أُخذت رفاتهم قبل نحو قرن لأغراض بحثية. وشكلت هذه الخطوة محاولة رمزية لتصحيح أخطاء الماضي وإعادة الاعتبار للمجتمع المحلي.
ورغم اعتزاز السكان بثقافتهم وهويتهم، يؤكد قادتهم أن أوضاعهم المعيشية لا تزال بعيدة عن التحسن المنشود. ويحمّل عدد من زعماء السكان الأصليين الحكومات المتعاقبة مسؤولية استمرار المشكلات، معتبرين أن القرارات تُتخذ بعيداً عن احتياجات المجتمعات المحلية ودون الاستماع إلى أصواتها.
كما عاد ملف “سد الفجوة” بين السكان الأصليين وبقية الأستراليين إلى الواجهة خلال مهرجان جارما الثقافي، حيث ناقش المشاركون أسباب تعثر تحقيق الأهداف المتعلقة بالصحة والتعليم ومتوسط العمر ومستويات المعيشة، رغم مرور سنوات على إطلاق المبادرة الوطنية.
وتباينت الآراء حول مستقبل البرنامج؛ فبينما دعا بعض الناشطين إلى التخلي عنه بالكامل بسبب ضعف نتائجه، رأى آخرون أن المشكلة تكمن في غياب المساءلة وعدم محاسبة الجهات المسؤولة عن عدم تحقيق الأهداف. في المقابل، طالب سياسيون بإعادة تقييم البرامج الحكومية لمعرفة مدى فعاليتها على أرض الواقع بدلاً من الاكتفاء بالأرقام والإحصاءات.
ورغم اختلاف وجهات النظر، اتفق الجميع على أن الوقت يداهم الحكومة لتحقيق أهداف عام 2031، وأن استمرار الأوضاع الحالية يعني بقاء أجيال جديدة من الأطفال وهم يكبرون وسط ظروف تجعل الحديث عن لون النعش أمراً عادياً، في حين يفترض أن تكون أحلامهم مرتبطة بالمستقبل والتعليم والحياة، لا بالموت.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

