يشهد العالم اليوم تصاعداً في النزاعات والحروب والأزمات السياسية، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار على مدار الساعة، لم تعد هذه الأحداث بعيدة عن المجتمعات الأخرى، بل أصبحت تؤثر بسرعة في مشاعر الناس وعلاقاتهم اليومية. ورغم أن أستراليا لا تستطيع إيقاف الصراعات الدولية أو التحكم في مجريات الأحداث خارج حدودها، فإنها تملك القدرة على منع انتقال آثار تلك الانقسامات إلى مجتمعها الداخلي.
يعيش في أستراليا ملايين الأشخاص الذين ينحدرون من خلفيات ثقافية ودينية وعرقية متنوعة، ويحمل كثير منهم روابط عائلية أو تاريخية مع بلدان تشهد نزاعات أو أزمات. ومن الطبيعي أن يشعر هؤلاء بالتعاطف أو القلق تجاه ما يحدث في أوطانهم الأصلية، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لإثارة الانقسام أو الكراهية بين أفراد المجتمع الأسترالي.
تُعد أستراليا واحدة من أكثر الدول نجاحاً في بناء مجتمع متعدد الثقافات، حيث أظهرت بيانات التعداد السكاني لعام 2021 أن نحو 29.5% من السكان ولدوا خارج البلاد، بينما ينتمي ما يقارب نصف السكان إلى عائلات مهاجرة، كما يتحدث الملايين لغات مختلفة داخل منازلهم. وقد أسهم هذا التنوع في دعم الاقتصاد، وإثراء الحياة الثقافية، وتعزيز مكانة أستراليا على الساحة الدولية.
لكن نجاح التجربة الأسترالية لم يعتمد على التنوع وحده، بل على الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع، والالتزام بقيم مشتركة مثل الديمقراطية، وسيادة القانون، والمساواة، والاحترام المتبادل. هذه المبادئ هي التي سمحت لأشخاص من ثقافات وأديان متعددة بالعيش والعمل معاً في بيئة مستقرة.
وخلال السنوات الماضية، أظهرت عدة أحداث عالمية كيف يمكن للنزاعات الخارجية أن تترك آثاراً داخل أستراليا. فبعد هجمات 11 سبتمبر تعرض بعض المسلمين لموجات من الشك والتمييز، كما واجه عدد من الأستراليين من أصول آسيوية مظاهر عنصرية خلال جائحة كورونا. كذلك أثرت الحرب في أوكرانيا والصراع في غزة على كثير من الجاليات، ورافق ذلك ارتفاع في حوادث معاداة السامية والإسلاموفوبيا، إضافة إلى توترات مرتبطة بأحداث سياسية في دول آسيوية.
ورغم أن ردود الفعل الإنسانية تجاه هذه الأزمات مفهومة، فإن تحميل أفراد الجاليات مسؤولية قرارات حكومات أو جماعات في بلدانهم الأصلية يُعد أمراً مرفوضاً. فلا يجوز الحكم على أي شخص بسبب دينه أو أصله أو جنسيته، وإنما يجب أن يكون التقييم بناءً على سلوكه وأفعاله الشخصية فقط.
كما أن مواجهة التمييز يجب أن تشمل جميع الفئات دون استثناء، فالتصدي لمعاداة السامية لا ينبغي أن يكون على حساب تجاهل الإسلاموفوبيا، والعكس صحيح. كذلك لا بد من مكافحة العنصرية التي يتعرض لها السكان الأصليون أو أي مجموعة ثقافية أخرى، لأن استهداف أي مكوّن من المجتمع يضعف الجميع ويهدد الاستقرار الاجتماعي.
وتشير دراسات حديثة إلى أن الأستراليين ما زالوا يدعمون بقوة التعددية الثقافية، إلا أن هناك مؤشرات على تراجع الثقة ببعض المؤسسات واستمرار شعور بعض الفئات بالتمييز، وهو ما يستدعي مواصلة العمل للحفاظ على التماسك المجتمعي.
وتتحمل الحكومات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وقادة المجتمعات المحلية مسؤولية كبيرة في الحد من خطاب الكراهية، ومكافحة المعلومات المضللة، وتشجيع الحوار البناء بين مختلف الثقافات والأديان. وفي الوقت نفسه، يبقى لكل فرد دور مهم يبدأ من احترام الآخرين، ورفض الأحكام المسبقة، وبناء علاقات قائمة على التفاهم والتعاون.
وفي عالم يزداد انقساماً يوماً بعد آخر، يبقى الحفاظ على التماسك الاجتماعي أحد أهم الضمانات التي تحافظ على أمن أستراليا واستقرارها، وتضمن استمرار نجاح نموذجها المتعدد الثقافات للأجيال القادمة.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

