شهدت منطقة المحيط الهادئ هذا الأسبوع تطوراً أثار قلق عدد من قادتها، بعدما أجرت الصين اختباراً لصاروخ باليستي قادر على حمل رؤوس نووية وسقط في مياه المحيط الهادئ. ورغم أن دول المنطقة لطالما تبنت سياسة تقوم على إقامة علاقات متوازنة مع جميع القوى الدولية دون الانحياز لأي طرف، فإن هذا الاختبار دفع عدداً من المسؤولين إلى توجيه انتقادات غير معتادة لبكين، في تحول قد يمنح أستراليا فرصة لتعزيز حضورها السياسي والأمني في المنطقة.

على مدى سنوات، حرصت دول المحيط الهادئ على التأكيد أنها ترغب في الحفاظ على علاقات جيدة مع الجميع، سواء مع الصين أو أستراليا أو الولايات المتحدة، مع تجنب الدخول في الصراعات الجيوسياسية. لكن إطلاق صاروخ عابر للقارات فوق مياه تعتبرها هذه الدول جزءاً من بيئتها الاستراتيجية أثار مخاوف متزايدة بشأن أمن المنطقة واستقرارها.

وكان من أبرز المواقف ما صدر عن رئيس وزراء جزر سليمان الجديد، ماثيو والي، الذي أكد أن الصين تظل شريكاً مهماً لبلاده، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن “الصديق لا يهدد أصدقاءه”. وأضاف أن دول المحيط الهادئ لا ترغب في رؤية أي دولة، سواء كانت الصين أو الولايات المتحدة أو غيرهما، تجري تجارب صاروخية في المنطقة، داعياً جميع القوى الكبرى إلى احترام أمن شعوب المحيط الهادئ.

كما انضمت كل من فيجي وبابوا غينيا الجديدة إلى الانتقادات، حيث أشار رئيس وزراء بابوا غينيا الجديدة إلى أن المنطقة عانت في الماضي من الحروب والتجارب النووية والأنشطة العسكرية التي فرضتها القوى الكبرى، مؤكداً أن شعوب المحيط الهادئ لا تريد تكرار تلك التجارب.

ويُعد موقف جزر سليمان لافتاً بشكل خاص، إذ كانت خلال السنوات الماضية تُعتبر من أقرب حلفاء الصين في المنطقة، خاصة بعد توقيع الاتفاقية الأمنية المثيرة للجدل بين البلدين عام 2022، والتي أثارت مخاوف أستراليا وحلفائها من احتمال إنشاء وجود عسكري صيني دائم في الأرخبيل.

لكن المشهد السياسي تغير بصورة واضحة بعد وصول ماثيو والي إلى رئاسة الحكومة إثر تصويت بحجب الثقة عن الحكومة السابقة. فمنذ توليه المنصب، بدأ في إعادة التوازن لعلاقات بلاده الخارجية، مع إظهار رغبة في تعزيز التعاون مع أستراليا، وهو ما ظهر خلال لقائه مع رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي بالتزامن مع احتفالات استقلال جزر سليمان.

ويرى محللون أن التجربة الصاروخية الصينية قد تلحق ضرراً بصورة بكين في المحيط الهادئ، خاصة أنها جاءت بعد أشهر من حديثها عن مبادرات تهدف إلى جعل المنطقة “محيطاً للسلام”. ويعتقد خبراء أن الصين ستحتاج إلى تقديم تبريرات مقنعة إذا أرادت الحفاظ على ثقة شركائها في المنطقة.

ورغم ذلك، لا تزال الصين تمتلك نفوذاً واسعاً في العديد من دول المحيط الهادئ بفضل استثماراتها ومشروعات البنية التحتية والمساعدات التنموية التي تقدمها دون الشروط الصارمة المرتبطة غالباً بالمساعدات الغربية. وفي المقابل، تؤكد أستراليا أنها لا تزال أكبر مانح للمساعدات في المنطقة، وتسعى إلى توسيع شراكاتها الأمنية والتنموية لمواجهة تنامي النفوذ الصيني.

ولا يزال من المبكر معرفة ما إذا كان هذا الحدث سيؤدي إلى تحول دائم في مواقف دول المحيط الهادئ، إلا أن ردود الفعل الأخيرة تشير إلى أن بعض الحكومات أصبحت أكثر استعداداً للتعبير عن مخاوفها عندما تشعر بأن أمنها الإقليمي قد يتعرض للخطر، حتى لو كان ذلك يعني توجيه انتقادات مباشرة إلى أحد أهم شركائها الدوليين.