قد تبدو المؤشرات الاقتصادية في أستراليا مطمئنة عند النظر إلى الأرقام الرسمية، فمعدل النمو الاقتصادي يبلغ نحو 2.5%، وسوق العمل لا يزال يوفر فرصًا جديدة، كما انخفض معدل البطالة تدريجيًا، بينما يواصل التضخم التراجع بعد فترة طويلة من الارتفاع. وحتى سوق الأسهم حافظ على جزء كبير من مكاسبه التي حققها خلال الأعوام الماضية، وهي مؤشرات توحي بأن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح.
لكن هذه الصورة الإيجابية لا تنعكس على حياة المواطنين اليومية. فثقة المستهلكين وصلت إلى مستويات متدنية للغاية، ويشعر كثير من الأستراليين بأن أوضاعهم المالية أصبحت أكثر صعوبة، رغم الحديث المتكرر عن قوة الاقتصاد. ويظهر هذا التناقض بوضوح في استطلاعات الرأي التي تكشف حالة من الإحباط والغضب دفعت بعض الناخبين إلى تأييد أحزاب وشخصيات سياسية كانت تُعد في السابق خارج التيار الرئيسي.
ويرى عدد من الخبراء أن السبب الرئيسي لهذا الشعور لا يرتبط بالنمو الاقتصادي نفسه، بل بالديون المتراكمة وارتفاع أسعار المنازل على مدار أكثر من عقدين. فقد تضاعفت أسعار العقارات مقارنة بالدخل، بينما ارتفعت ديون الأسر إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل آلاف العائلات تخصص جزءًا كبيرًا من دخلها الشهري لسداد أقساط القروض العقارية، خاصة بعد سلسلة الزيادات المتتالية في أسعار الفائدة.
كما يعتقد مراقبون أن الحكومات المتعاقبة لم تمنح أزمة الإسكان الاهتمام الكافي، واعتمدت بدلاً من ذلك على إجراءات مثل التخفيضات الضريبية أو الوعود الاقتصادية، بينما استمرت أسعار المنازل في الارتفاع وأصبحت بعيدة عن متناول كثير من الشباب والأسر الجديدة.
وزادت الضغوط خلال السنوات الأخيرة مع ارتفاع معدلات الهجرة بشكل أكبر من التوقعات الرسمية، الأمر الذي عزز الطلب على المساكن في وقت تعاني فيه البلاد بالفعل من نقص في المعروض. ورغم أن الهجرة ليست السبب الوحيد لأزمة الإسكان أو تراجع ثقة المستهلكين، فإنها أصبحت محورًا رئيسيًا في النقاش السياسي، ويحملها كثير من المواطنين مسؤولية تفاقم الأوضاع.
وفي المقابل، تشير دراسات اقتصادية إلى أن المشكلة أعمق من ذلك، إذ تتعلق بتزايد الفجوة في توزيع الثروة داخل المجتمع. فشريحة صغيرة من السكان تمتلك الجزء الأكبر من الثروات، بينما تجد نسبة كبيرة من الأسر نفسها مثقلة بالديون ولا تحقق أي مكاسب حقيقية من ارتفاع قيمة الأصول، بل تتحمل فقط تكاليف الاقتراض المرتفعة.
وتبرز هذه الأزمة بصورة أوضح في الضواحي الخارجية للمدن الكبرى مثل سيدني وملبورن، حيث يعيش كثير من أصحاب القروض العقارية الذين اشتروا منازلهم على أمل تحقيق الاستقرار المالي، لكنهم يواجهون اليوم ارتفاعًا مستمرًا في تكاليف المعيشة دون نمو مماثل في الأجور.
ويرى محللون أن هذا الإحباط يفسر تنامي التأييد للأحزاب التي ترفع شعارات تدعو إلى تغيير النظام السياسي وتشديد سياسات الهجرة، إذ يشعر كثير من الناخبين بأن الأحزاب التقليدية لم تعد تعبر عن همومهم أو تقدم حلولًا حقيقية لمشكلاتهم اليومية.
وفي النهاية، تكشف التجربة الأسترالية أن قوة الاقتصاد لا تعني بالضرورة شعور المواطنين بالرفاهية. فحين ترتفع الديون، وتصبح المساكن بعيدة المنال، وتتراجع القدرة الشرائية، يفقد الناس ثقتهم بالمستقبل حتى وإن بدت المؤشرات الاقتصادية العامة إيجابية. لذلك، يبقى تحسين مستوى المعيشة ومعالجة أزمة الإسكان وتقليص الضغوط المالية على الأسر من أبرز التحديات التي ستواجه صناع القرار في السنوات المقبلة.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

