تشير المؤشرات السياسية الأخيرة في أستراليا إلى أن حكومة حزب العمال لا تنوي اتباع النهج التقليدي الذي يعتمد على تجنب القرارات الصعبة بعد الفوز بالانتخابات، بل تبدو مستعدة للدخول في مرحلة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، حتى وإن حملت قدراً من المخاطرة.

وأظهرت استطلاعات رأي حديثة أن شعبية حزب “أمة واحدة” (One Nation) لم تعد تتوسع بالوتيرة التي كان يتوقعها البعض، وهو ما اعتبره مراقبون دليلاً على وجود سقف للدعم الشعبي الذي يمكن أن تحققه زعيمة الحزب بولين هانسون، خاصة مع مواقفها المثيرة للجدل بشأن قضايا العمل والهجرة والسياسات الاجتماعية.

في المقابل، سجل حزب العمال تحسناً طفيفاً في استطلاعات الرأي، الأمر الذي منح رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي ووزير الخزانة جيم تشالمرز مساحة أكبر للتفكير في تنفيذ إصلاحات طال الحديث عنها، بدلاً من الاكتفاء بالإجراءات الشعبية أو السياسات قصيرة المدى.

وكان كثيرون يعتقدون أن الحكومة، بعد الانتقادات التي واجهتها إثر تعديلات ضريبية وإجراءات مرتبطة بخفض الإنفاق وإصلاح نظام التأمين الوطني للإعاقة (NDIS)، ستتجنب أي خطوات قد تثير الجدل خلال بقية ولايتها. إلا أن التصريحات الأخيرة لقيادات حزب العمال تعكس توجهاً مختلفاً.

وأكد جيم تشالمرز أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الحالية تتطلب حلولاً حقيقية، مشيراً إلى أن المواطنين يعبرون عن مخاوف مشروعة بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ النمو الاقتصادي، وأن تجاهل هذه المخاوف قد يفتح الباب أمام تنامي التيارات الشعبوية.

ويرى تشالمرز أن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على الاستفادة السياسية من حالة الاستياء، بل تتمثل في معالجة أسبابها عبر إصلاحات مدروسة، حتى لو كانت هذه الإصلاحات تحمل تكلفة سياسية على المدى القصير.

من جانبه، استشهد رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي بتجربة رئيس الوزراء الأسبق بول كيتنغ، الذي كان يؤكد أن حزب العمال يحتاج دائماً إلى الاستمرار في الإصلاح حتى يحافظ على زخمه السياسي، في إشارة إلى أن الحكومة الحالية لا ترغب في الاكتفاء بإدارة الأوضاع القائمة.

وفي الوقت نفسه، تتزايد الضغوط داخل حزب العمال نفسه للمضي أبعد في ملف الإصلاح الضريبي. فمن المتوقع أن يشهد مؤتمر حزب العمال في ولاية نيو ساوث ويلز نقاشات موسعة حول مستقبل النظام الضريبي، مع دعوات لإجراء مراجعة شاملة تتناول الضرائب والإنفاق الحكومي وتوزيع الصلاحيات المالية بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات.

وتطالب بعض المقترحات بإعادة النظر في هيكل الضرائب بالكامل بهدف تحسين الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الأسترالي، إضافة إلى معالجة أزمة الإسكان التي أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه البلاد.

كما تتضمن بعض المبادرات المطروحة فرض ضرائب أكبر على أصحاب الثروات الضخمة، وإعادة تقييم الامتيازات الضريبية الممنوحة لقطاع الغاز، إلى جانب مراجعة نظام دعم وقود الديزل، وهي أفكار لا تزال محل نقاش داخل الحزب.

ويرى محللون أن نجاح الحكومة في تحقيق توازن بين الإصلاح الاقتصادي والاستجابة لمطالب المواطنين سيكون عاملاً حاسماً في الحد من تنامي الخطاب الشعبوي، والحفاظ على ثقة الناخبين خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل استمرار الضغوط المعيشية التي تؤثر على مختلف شرائح المجتمع الأسترالي.