يشهد ملف الهجرة في أستراليا جدلاً سياسياً متواصلاً، حيث تتركز معظم النقاشات حول عدد المهاجرين الذين ينبغي استقبالهم كل عام. وتختلف المقترحات بشكل كبير بين الأحزاب والسياسيين، إذ يدعو البعض إلى وقف الهجرة بالكامل، بينما يرى آخرون ضرورة الإبقاء على مستويات مرتفعة لتلبية احتياجات الاقتصاد وسوق العمل. لكن المشكلة الحقيقية، بحسب خبراء، لا تكمن في الرقم نفسه، بل في غياب خطة شاملة تحدد احتياجات البلاد الفعلية على المدى الطويل.

وتشير أحدث بيانات مكتب الإحصاءات الأسترالي إلى أن صافي الهجرة الخارجية بلغ نحو 301 ألف شخص خلال عام 2025، بانخفاض مقارنة بـ330 ألفاً في عام 2024، و530 ألفاً في عام 2023. ورغم هذا التراجع، يرى بعض المراقبين أن معدلات الهجرة استقرت عند حدود 300 ألف سنوياً، إلا أن هذا الاستنتاج قد يكون مضللاً لأن الرقم يتأثر بعوامل عديدة تتغير باستمرار.

فصافي الهجرة لا يعتمد فقط على عدد القادمين إلى أستراليا، بل أيضاً على عدد المغادرين منها، بما في ذلك المواطنين الأستراليين، وحاملي تأشيرات العمل المؤقتة، والطلاب الدوليين، والمواطنين النيوزيلنديين الذين يتمتعون بحرية أكبر في التنقل بين البلدين. وهذه المتغيرات تجعل من الصعب الاعتماد على هذا الرقم وحده لرسم سياسات الهجرة المستقبلية.

ويبرز ملف الإسكان كأحد أكثر القضايا ارتباطاً بالهجرة. فكثيراً ما تُحمّل الهجرة مسؤولية أزمة السكن وارتفاع الإيجارات، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فمعظم المهاجرين المؤقتين، وخاصة الطلاب الدوليين، يتركزون في مناطق محددة حول الجامعات الكبرى في سيدني وملبورن، ما يجعل تأثيرهم الأكبر على سوق الإيجارات المحلية وليس على سوق شراء المنازل في عموم البلاد.

وفي المقابل، يعتمد الاقتصاد الأسترالي بصورة متزايدة على العمالة المؤقتة لسد النقص في قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية، ورعاية كبار السن، والزراعة، والضيافة. وتشير التقديرات إلى أن مئات الآلاف من الوظائف الماهرة يشغلها مهاجرون مؤقتون، وهو ما يجعل تقليص أعدادهم بشكل مفاجئ يحمل آثاراً اقتصادية واسعة.

ويرى الخبراء أن السياسة الحالية تنظر إلى أعداد المهاجرين باعتبارها رقماً يتم تحديده مسبقاً، ثم تُبنى عليه خطط الإسكان والبنية التحتية والخدمات. بينما يفترض أن يكون الأمر معكوساً؛ إذ ينبغي أولاً دراسة احتياجات سوق العمل، والطاقة الاستيعابية للمدن، وقدرات قطاع الإسكان، وتمويل الجامعات، ثم تحديد مستوى الهجرة المناسب بناءً على هذه المعطيات.

كما يدعو المختصون إلى تطوير نماذج أكثر دقة تأخذ في الاعتبار أوضاع المقيمين المؤقتين، وإمكانية انتقال بعضهم إلى الإقامة الدائمة، بدلاً من الاكتفاء بحساب الداخلين والخارجين من البلاد.

ومن المنتظر أن يوفر التعداد السكاني الأسترالي لعام 2026 بيانات أكثر تفصيلاً حول أعداد المقيمين المؤقتين وتوزيعهم، وهو ما قد يساعد الحكومة على بناء سياسات هجرة أكثر توازناً خلال السنوات المقبلة.

وفي النهاية، يبقى تحديد مستوى الهجرة قراراً سياسياً، لكن الخبراء يؤكدون أن هذا القرار يجب أن يستند إلى بيانات واضحة ودراسات دقيقة، وليس إلى تقديرات أو شعارات انتخابية، حتى تتمكن أستراليا من تحقيق التوازن بين احتياجات الاقتصاد وقدرة البلاد على توفير السكن والخدمات والبنية التحتية لسكانها.