تشهد الساحة السياسية الأسترالية في السنوات الأخيرة حالة متزايدة من الإحباط لدى الناخبين تجاه الأحزاب التقليدية، وهو ما انعكس بشكل واضح على صعود بعض القوى السياسية البديلة. وبينما نجح حزب “أمة واحدة” اليميني في جذب أعداد متزايدة من الناخبين الغاضبين من الوضع السياسي والاقتصادي، يطرح كثيرون تساؤلاً مهماً: لماذا لم يستفد حزب الخضر من هذا المزاج الشعبي بنفس القدر؟

استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن حزب “أمة واحدة” تمكن من تعزيز شعبيته بشكل ملحوظ، مستفيداً من شعور شريحة واسعة من المواطنين بأن الأحزاب الكبرى لم تعد تمثل مصالحهم بالشكل المطلوب. في المقابل، بقيت نسبة التأييد لحزب الخضر مستقرة نسبياً رغم تصاعد الأزمات المرتبطة بتكاليف المعيشة والسكن وعدم المساواة الاقتصادية.

ويرى محللون سياسيون أن الخضر يحققون بالفعل نجاحاً بين فئات محددة من المجتمع، خصوصاً الشباب. فالأجيال الجديدة، وخاصة النساء من جيل “زد”، تبدي ميلاً أكبر لدعم الحزب مقارنة بالأجيال السابقة. ومع ذلك، فإن هذا النمو بين الشباب يقابله تراجع في التأييد بين الناخبين الأكبر سناً، ما يحد من قدرة الحزب على توسيع قاعدته الانتخابية على المستوى الوطني.

ويؤكد مراقبون أن القضية لا تتعلق بالبرامج السياسية فقط، بل أيضاً بالصورة العامة للحزب. فبينما ينجح اليمين الشعبوي في مخاطبة مشاعر الغضب والإحباط لدى الطبقة العاملة، لا يزال كثير من الأستراليين ينظرون إلى الخضر باعتبارهم حزباً يمثل سكان المدن الراقية والطبقات المتعلمة أكثر من تمثيله للعمال وأصحاب الدخل المحدود.

وتبرز أزمة الإسكان كواحدة من أهم القضايا التي يمكن أن تمنح الخضر فرصة للتوسع. فارتفاع أسعار المنازل والإيجارات أصبح مصدر قلق كبير للمواطنين، خصوصاً الشباب الراغبين في شراء منزلهم الأول. ورغم أن الحزب يدعو إلى إصلاحات واسعة في هذا الملف، إلا أن منتقديه يرون أنه لم يتمكن من تقديم رسائل واضحة وقوية بما يكفي لكسب ثقة الناخبين المتضررين مباشرة من الأزمة.

كما تواجه قيادة الحزب نقاشاً داخلياً حول أفضل طريقة لتحقيق التغيير. فهناك من يدعو إلى العمل البرلماني والتفاوض مع الحكومة لتحقيق مكاسب تدريجية، بينما يرى آخرون أن الحزب بحاجة إلى خطاب أكثر جرأة وصدامية مع المؤسسة السياسية القائمة لكسب تأييد الناخبين الساخطين.

ومع اقتراب الانتخابات المقبلة، تبدو المنافسة مفتوحة على استقطاب الناخبين الذين يشعرون بأن أصواتهم لم تعد مسموعة. وسيكون على حزب الخضر أن يثبت قدرته على التواصل مع الطبقات العاملة والناخبين المتضررين اقتصادياً إذا أراد تحويل حالة السخط الشعبي إلى دعم انتخابي أوسع، بدلاً من ترك هذه المساحة للأحزاب الشعبوية التي نجحت حتى الآن في استثمار الغضب العام بصورة أكثر فاعلية.