تواجه أستراليا تحدياً كبيراً في تحقيق أهدافها المناخية، ليس فقط بسبب اعتمادها الاقتصادي على الفحم والغاز، ولكن أيضاً نتيجة النفوذ الواسع الذي تتمتع به شركات الوقود الأحفوري داخل الأوساط السياسية والاقتصادية، وهو نفوذ يرى باحثون أنه أسهم في إبطاء الانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة.
ورغم أن أستراليا تُعد من أكبر مصدّري الفحم والغاز في العالم، فإن استمرار التوسع في هذه الصناعات يثير تساؤلات حول قدرة البلاد على التوفيق بين مصالحها الاقتصادية والتزاماتها بخفض الانبعاثات الكربونية.
علاقات وثيقة بين السياسة وشركات الطاقة
تشير دراسات إلى أن شركات الوقود الأحفوري نجحت على مدى عقود في التأثير على القرارات الحكومية من خلال جماعات الضغط السياسي، والعلاقات المباشرة مع المسؤولين، والتبرعات للأحزاب الكبرى.
وخلال السنة المالية 2024–2025، قدمت شركات مرتبطة بصناعتي الفحم والغاز تبرعات سياسية اقتربت من أربعة ملايين دولار أسترالي، وفقاً لبيانات نشرتها جهات معنية بالنزاهة المناخية.
ولم يقتصر هذا التأثير على حزب سياسي بعينه، بل امتد إلى حكومات متعاقبة، سواء من حزب العمال أو الائتلاف المحافظ.
كما أثارت ظاهرة انتقال مسؤولين حكوميين سابقين للعمل في شركات الطاقة وجماعات الضغط مخاوف بشأن تضارب المصالح، ومدى استقلال القرارات المتعلقة بالمناخ والطاقة.
الاقتصاد والوظائف وسيلة لكسب التأييد
اعتمدت شركات الفحم والغاز على إبراز مساهمتها في الاقتصاد الأسترالي، من خلال عائدات التصدير والضرائب وتوفير فرص العمل، خصوصاً في المناطق الإقليمية التي تعتمد على التعدين.
وسعت هذه الشركات أيضاً إلى تعزيز صورتها لدى المجتمع عبر رعاية المدارس والأندية الرياضية والمبادرات المحلية، إلى جانب تمويل برامج تعليمية وبيئية.
ويرى منتقدون أن هذه الأنشطة، رغم ما قد تقدمه من فوائد للمجتمعات المحلية، تُستخدم أحياناً لتخفيف الانتقادات الموجهة إلى الصناعة بسبب آثارها البيئية.
وفي المقابل، تؤكد الجهات المدافعة عن قطاع الموارد أن الفحم والغاز لا يزالان يؤديان دوراً مهماً في دعم الاقتصاد وتوفير الطاقة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي للمناطق المنتجة.
مستقبل الطاقة بين المصالح الاقتصادية والمناخ
مع تزايد التحذيرات من تغير المناخ وانخفاض تكلفة الطاقة المتجددة، تواصل صناعة الوقود الأحفوري الدفاع عن دورها المستقبلي، مستندة إلى أهمية الغاز بوصفه وقوداً انتقالياً، وإمكانات تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه.
لكن منتقدين يشككون في قدرة هذه التقنيات على تبرير التوسع المستمر في مشروعات الفحم والغاز، خاصة في ظل الحاجة العالمية إلى خفض الانبعاثات بوتيرة أسرع.
ورغم السياسات الحكومية الرامية إلى تشجيع الطاقة النظيفة، لا تزال أستراليا توافق على مشروعات جديدة للوقود الأحفوري، مما يعكس صعوبة الموازنة بين الاعتبارات الاقتصادية والأهداف البيئية.
ويعتقد باحثون أن نجاح أستراليا في التحول إلى اقتصاد منخفض الانبعاثات يتطلب مزيداً من الشفافية في العلاقات بين الحكومة وشركات الطاقة، إلى جانب وضع ضوابط أكثر وضوحاً لجماعات الضغط والتبرعات السياسية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع أستراليا تقليص اعتمادها على الفحم والغاز دون الإضرار بالمجتمعات والوظائف المرتبطة بهذه الصناعات، أم سيظل النفوذ الاقتصادي والسياسي للوقود الأحفوري عقبة أمام مستقبل أكثر استدامة؟

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

