تفتح مراكز البيانات أمام أستراليا باباً واسعاً للاستثمار في الاقتصاد الرقمي، لكنها تضعها أيضاً أمام سؤال يصعب تجاهله: من يتحمل تكلفة تشغيل هذه المنشآت، وما الذي يحصل عليه المجتمع في المقابل؟ فخلف خدمات التخزين السحابي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، توجد مبانٍ ضخمة تحتاج إلى كهرباء متواصلة وأنظمة تبريد تستهلك موارد تختلف بحسب تصميم كل مركز وموقعه.
وتسعى الحكومة الأسترالية إلى وضع معايير وطنية تنظم استخدام مراكز البيانات للطاقة والمياه والأراضي. وتؤكد ورقة المشاورات الحكومية ضرورة جذب الاستثمارات مع حماية الأسر من ارتفاع فواتير الكهرباء، والحفاظ على الأمن المائي، وتجنب زيادة التكاليف على الصناعات الأخرى. لكن تحويل هذه الأهداف إلى التزامات قابلة للقياس يظل الاختبار الحقيقي.
وتقدم أيرلندا مثالاً يستحق التوقف عنده. فقد استقطبت استثمارات تكنولوجية كبيرة، قبل أن تصبح مراكز البيانات مستهلكاً رئيسياً للكهرباء. وبحسب مكتب الإحصاء المركزي الأيرلندي، استحوذت هذه المراكز على 23% من إجمالي استهلاك الكهرباء المقاس بالعدادات في عام 2025، مقارنة بنحو 5% فقط عام 2015. هذه القفزة توضح حجم الضغط الذي يمكن أن يصاحب التوسع السريع في القطاع.
ولا تتعلق المشكلة بمجرد كمية الطاقة المطلوبة، بل بسرعة توفيرها ومصدرها. فإذا سبقت المشروعات الجديدة بناء محطات التوليد وتطوير الشبكات، فقد تصبح المنافسة على الكهرباء أشد بين الشركات والمنازل والمصانع. وحتى التوسع في الطاقة المتجددة قد لا يحقق الأثر المتوقع إذا استوعبت مراكز البيانات معظم الإمدادات الإضافية.
لهذا، يتطلب التخطيط الأسترالي أكثر من تعهدات عامة باستخدام الطاقة النظيفة. ومن الخيارات المطروحة أن تسهم الشركات في تمويل البنية التحتية التي تحتاجها، وتدعم إنشاء مصادر توليد جديدة، وتخفض استهلاكها عندما تتعرض الشبكة للضغط. وترى الحكومة أن تطبيق هذه الإجراءات بصورة سليمة قد يسمح لمراكز البيانات بالمساهمة في تقوية منظومة الكهرباء.
أما المياه واختيار المواقع، فيحتاجان إلى اهتمام مماثل. فمن الضروري تقييم احتياجات التبريد، وإمكان استخدام المياه المعاد تدويرها، وتأثير المنشآت على السكان والخدمات المحيطة، قبل منح الموافقات.
كذلك، ينبغي تقييم العائد الاقتصادي بعيداً عن ضخامة المبالغ المعلنة. فعدد الوظائف المستدامة، وفرص تدريب العاملين، واستفادة الشركات المحلية، مؤشرات تساعد على معرفة القيمة الفعلية لكل مشروع.
الدرس الأيرلندي لأستراليا واضح: الاستثمار الرقمي يحتاج إلى تخطيط يسبق البناء. وكلما كانت الالتزامات محددة منذ البداية، أصبح من الأسهل تحقيق التوازن بين تطوير التكنولوجيا وحماية الموارد ومصالح السكان.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

