تشهد أستراليا في السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في الشعور بالانتماء والتماسك الاجتماعي، وسط نقاش متزايد حول أفضل الطرق لمواجهة الاستقطاب وتعزيز الاحترام بين أصحاب الخلفيات الثقافية والدينية المختلفة.
وتظهر مؤشرات حديثة حجم التحدي؛ إذ أفاد تقرير Mapping Social Cohesion بأن 46% فقط من الأستراليين يشعرون بالانتماء، مقارنة بـ64% في عام 2020. كما أظهر استطلاع معهد لوي لعام 2026 أن 73% من المشاركين يرون أن أستراليا استفادت من التنوع الثقافي، وهي نسبة انخفضت بشكل واضح مقارنة بعام 2024.
ويأتي هذا النقاش بالتزامن مع أعمال اللجنة الملكية المعنية بمعاداة السامية والتماسك الاجتماعي، التي تبحث في سبل تقوية الروابط داخل المجتمع. ويرى باحثون أن جائحة كورونا، والاستفتاء الخاص بصوت السكان الأصليين في البرلمان، والحرب بين إسرائيل وحماس ساهمت في زيادة الاستقطاب، لكن هناك عاملاً آخر يستحق مزيداً من الاهتمام، وهو العلاقة بين الدين والمجتمع.
فبحسب تعداد 2021، قال 39% من الأستراليين إنهم بلا دين، مقابل 44% عرّفوا أنفسهم كمسيحيين. وفي الوقت نفسه، تشير دراسات إلى تزايد المواقف السلبية تجاه بعض الجماعات الدينية، ما يثير تساؤلات حول قدرة المجتمع على إدارة اختلافاته بصورة تحافظ على الاحترام المتبادل.
ومن هنا يبرز دور المدارس. فالتعليم الديني، عندما يُقدَّم بصورة متوازنة وتعليمية بعيداً عن التعصب، يمكن أن يمنح الطلاب فرصة لفهم معتقدات الآخرين والتعرف إلى التنوع الموجود في المجتمع الأسترالي. وتشير أبحاث أُجريت على معلمين وطلاب من ست ديانات إلى أن دروس التربية الدينية يمكن أن تشجع التفكير النقدي والتسامح واللطف، وتساعد الأطفال على توسيع نظرتهم إلى العالم.
ولا تقتصر المسؤولية على دروس الدين وحدها. فالمدارس تحتاج أيضاً إلى تدريب المعلمين على التعامل مع التنوع الثقافي والديني، وتطوير برامج لمواجهة التنمر والتمييز، وخلق مساحات تجمع الطلاب من خلفيات مختلفة للحوار والتعلم المشترك.
وقد بدأت الحكومة الفيدرالية خطوات في هذا الاتجاه من خلال إطلاق Social Cohesion Education Lab بالتعاون مع Education Services Australia، بهدف توفير موارد تساعد المعلمين على مناقشة قضايا مثل معاداة السامية والتمييز والتماسك الاجتماعي.
وفي النهاية، فإن بناء مجتمع أكثر انسجاماً لا يبدأ فقط بالقوانين والسياسات، بل يبدأ أيضاً داخل الفصول الدراسية. وتعليم الأطفال كيفية فهم الاختلاف واحترامه قد يكون أحد أهم الاستثمارات طويلة الأجل للحفاظ على التنوع الذي يميز المجتمع الأسترالي.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

