لطالما ارتبط تاريخ أستراليا بقصص المهاجرين الأوائل الذين تركوا أوطانهم بحثاً عن فرصة لحياة أفضل. كثير من هؤلاء جاءوا من مناطق عانت الفقر والاضطهاد، ووصلوا إلى قارة جديدة لا يعرفون عنها الكثير، سوى أنها تمنح أملاً ببداية مختلفة. كانوا يحملون القليل من المال والكثير من الطموح، وواجهوا ظروفاً صعبة تتعلق بالمناخ القاسي والأراضي غير المألوفة ونقص الموارد، لكنهم اعتمدوا على العمل الجاد والإصرار لبناء مستقبلهم.
استقر العديد من المهاجرين في المناطق الريفية، حيث بدأوا بإزالة الأشجار واستصلاح الأراضي وزراعة المحاصيل الأساسية مثل القمح والشوفان. كما أدخلوا تربية الأبقار وإنتاج الحليب ومشتقاته، وهي أنشطة ساهمت تدريجياً في بناء اقتصاد محلي قوي ودعمت نمو المجتمعات الناشئة. وعلى الرغم من الجفاف المتكرر وضعف خصوبة بعض الأراضي، واصل هؤلاء العمل والتكيّف مع الواقع الجديد، الأمر الذي ساعد في تشكيل ملامح الدولة الحديثة.
ويرى كاتب المقال أن نجاح أستراليا لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود أجيال من المستوطنين والعمال الذين تحملوا المشقة وساهموا في تنمية البلاد. إلا أنه يعتقد أن روح الاعتماد على النفس التي ميّزت تلك الحقبة بدأت تتراجع في السنوات الأخيرة، مع ازدياد أعداد الأشخاص الذين يعتمدون على المساعدات الحكومية بدلاً من السعي إلى العمل والإنتاج.
ويشير الكاتب إلى أن أستراليا ما زالت تمتلك المقومات نفسها التي جعلتها أرضاً للفرص، من موارد طبيعية واسعة ومساحات شاسعة وإمكانات اقتصادية كبيرة. لكنه يرى أن التحدي الحقيقي اليوم لا يتعلق بالإمكانات المتاحة، بل بكيفية الاستفادة منها وتعزيز ثقافة المسؤولية الفردية والمشاركة في بناء المجتمع.
كما ينتقد توسع بعض السياسات والبرامج التي يعتبر أنها تشجع الاتكال على الدعم الحكومي، معتبراً أن ذلك قد يؤثر على الإنتاجية والقدرة التنافسية للبلاد على المدى الطويل. ويؤكد أن ازدهار أي دولة يعتمد على مساهمة أفرادها في العمل والإبداع وتحمل المسؤوليات، وليس فقط على الاستفادة من الخدمات والمزايا المتاحة.
وفي ختام رؤيته، يدعو الكاتب إلى العودة لقيم الاجتهاد والاستقلالية التي ساهمت في بناء أستراليا الحديثة، معتبراً أن مستقبل البلاد سيكون أكثر قوة واستقراراً إذا تم تشجيع ثقافة العمل والمبادرة الفردية، بحيث يشارك الجميع في الحقوق والواجبات على قدم المساواة، ويساهمون في استثمار الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها هذه الأرض.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

