رغم ما تتمتع به أستراليا من خدمات طبية متقدمة، فإن نظامها الصحي يواجه تحديات متزايدة تثير تساؤلات حول كفاءة الإنفاق وجودة الرعاية المقدمة للمواطنين، خاصة مع ظهور مؤشرات تشبه بعض المشكلات التي يعاني منها النظام الصحي الأمريكي.

وتنفق أستراليا نحو 270 مليار دولار سنوياً على الرعاية الصحية، تستحوذ المستشفيات وحدها على 42% منها. ورغم ضخامة هذه الميزانية، فإن النتائج الصحية لا تبدو دائماً متناسبة مع حجم الأموال التي يتم إنفاقها.

سنوات طويلة من المعاناة الصحية

تشير دراسات دولية إلى أن الأستراليين يقضون في المتوسط ما بين 12 و14 عاماً من حياتهم وهم يعانون من أمراض أو إعاقات تؤثر على جودة حياتهم، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالعديد من الدول المتقدمة.

وتزداد المشكلة تعقيداً مع ارتفاع تكاليف بعض الخدمات الطبية، إذ يضطر نحو واحد من كل عشرة أستراليين إلى تأجيل زيارة الطبيب المتخصص أو الاستغناء عنها بسبب التكلفة.

كما يشعر عدد كبير من المصابين بالأمراض المزمنة بالقلق من قدرتهم على تحمل نفقات العلاج في حال تدهور حالتهم الصحية، بالتزامن مع استمرار الضغوط على المستشفيات الحكومية وطول فترات الانتظار.

برنامج الأدوية يقدم نموذجاً مختلفاً

وسط هذه التحديات، يبرز برنامج المزايا الصيدلانية الأسترالي (PBS) باعتباره أحد النماذج الناجحة في تحقيق التوازن بين جودة العلاج وتكلفته.

ويعتمد البرنامج على تقييم فعالية الأدوية وسلامتها ومقارنتها بالعلاجات المتاحة قبل الموافقة على دعمها مالياً. كما تتفاوض الجهات المختصة مع شركات الأدوية للحصول على أسعار مناسبة، بما يضمن وصول المرضى إلى العلاج بتكلفة أقل.

وتكشف المقارنات مع الولايات المتحدة عن فروق كبيرة في أسعار بعض الأدوية، مثل علاجات اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وأدوية السكري، حيث قد تصل الأسعار الأمريكية إلى أضعاف نظيرتها الأسترالية.

وتوضح هذه التجربة أهمية التفاوض الجماعي وربط أسعار الأدوية بالفائدة الصحية الفعلية التي تقدمها للمرضى.

إجراءات طبية مكلفة دون فائدة واضحة

ولا تتوقف التحديات عند أسعار العلاج، بل تمتد إلى بعض الفحوص والإجراءات الطبية التي قد لا تحقق فائدة حقيقية للمرضى.

فقد كشفت دراسات أسترالية أن نسبة من الإجراءات التي تُجرى داخل المستشفيات الحكومية والخاصة تُصنف ضمن الرعاية منخفضة القيمة، أي أنها لا تقدم تحسناً صحياً يتناسب مع تكلفتها، وقد تعرض بعض المرضى لمخاطر غير ضرورية.

ومن بين الأمثلة بعض جراحات الركبة والعمود الفقري التي لا تدعم الأدلة الطبية استخدامها بصورة روتينية في حالات معينة.

الوقاية بدلاً من انتظار المرض

يرى خبراء أن المشكلة الأساسية تكمن في تركيز النظام الصحي على علاج المرض بعد ظهوره، بدلاً من الاستثمار بصورة أكبر في الوقاية والكشف المبكر والرعاية الأولية.

فالإنفاق على الفحوص الوقائية والتوعية الصحية ومتابعة الأمراض المزمنة يمكن أن يساعد في تقليل الحاجة إلى العلاج المكلف داخل المستشفيات مستقبلاً.

ويطرح هذا الواقع سؤالاً مهماً أمام صناع القرار: هل ينبغي قياس نجاح النظام الصحي بعدد العمليات والفحوص والخدمات المقدمة، أم بمدى تحسن صحة المواطنين وجودة حياتهم؟

وتؤكد هذه التحديات أن زيادة الميزانيات وحدها ليست ضماناً لتحقيق نتائج أفضل، وأن مستقبل الرعاية الصحية في أستراليا يحتاج إلى سياسات تضع صحة الإنسان في المقدمة، وتضمن توجيه الموارد إلى الخدمات التي تحقق أكبر فائدة فعلية للمرضى.

فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في مقدار ما تنفقه الدولة على العلاج، بل في قدرتها على بناء مجتمع أكثر صحة وتقليل سنوات المعاناة مع المرض.