عاد ملف الهجرة إلى صدارة النقاش الاقتصادي والسياسي في أستراليا، مع تزايد التساؤلات حول قدرة البلاد على تحقيق نمو اقتصادي مستدام دون الاعتماد بصورة كبيرة على زيادة عدد السكان.

وتشير أحدث بيانات مكتب الإحصاء الأسترالي إلى أن عدد سكان البلاد ارتفع بنحو 392,700 شخص خلال العام المنتهي في مارس 2026، ليصل إلى نحو 27.9 مليون نسمة، فيما ساهم صافي الهجرة الخارجية بنحو 292,100 شخص من هذه الزيادة.

ومع استمرار النمو السكاني، أصبحت قضايا الإسكان والبنية التحتية وتكاليف المعيشة والخدمات العامة أكثر حضورًا في النقاش حول مستويات الهجرة المناسبة. وفي الوقت نفسه، يرى اقتصاديون أن التركيز على أعداد المهاجرين وحدها قد لا يعالج المشكلة الاقتصادية الأوسع، والمتمثلة في ضعف نمو الإنتاجية والاستثمار.

وقد أصبحت سياسات الهجرة نقطة اختلاف واضحة بين الأحزاب السياسية الأسترالية، مع طرح مستويات مختلفة لصافي الهجرة خلال السنوات المقبلة. كما يتركز جانب من النقاش على أهمية الحفاظ على العمالة الماهرة التي تحتاج إليها قطاعات مثل البناء، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى إدارة أعداد الطلاب الدوليين والعمال المؤقتين وغيرها من فئات الهجرة.

وفي هذا السياق، تلفت التجربة الكندية الأنظار باعتبارها نموذجًا مختلفًا يركز على تشجيع الاستثمار ورفع الإنتاجية. فقد أعلنت كندا حزمة جديدة لتوسيع نطاق الاستثمارات التي تستطيع الشركات خصم تكلفتها بالكامل في عامها الأول، بهدف تحفيز الإنفاق الرأسمالي وخفض تكلفة الاستثمار.

كما تعمل الحكومة الكندية على تسريع الموافقات على المشروعات الكبرى وتقليل تداخل الإجراءات التنظيمية، من خلال نهج يقوم على تنسيق عمليات التقييم وتقليص الوقت المطلوب لاتخاذ القرارات.

وتثير هذه الإجراءات تساؤلًا مهمًا بالنسبة لأستراليا: هل يكفي خفض الهجرة لتحسين مستوى معيشة الفرد، أم أن البلاد تحتاج بالتوازي إلى زيادة الاستثمار والإنتاجية؟

فالحد من النمو السكاني قد يخفف بعض الضغوط على الإسكان والخدمات، لكنه لا يمثل بمفرده علاجًا لمشكلة ضعف الإنتاجية. ومن هنا، قد يتجه النقاش الاقتصادي خلال الفترة المقبلة بصورة أكبر نحو كيفية تشجيع الشركات على الاستثمار في التكنولوجيا والمعدات والبنية التحتية والابتكار.

وفي النهاية، يبقى التحدي أمام أستراليا هو تحقيق توازن بين مستويات الهجرة واحتياجات سوق العمل من جهة، وبين الاستثمار والإسكان والبنية التحتية ورفع إنتاجية الاقتصاد من جهة أخرى، بما يسمح بأن ينعكس النمو الاقتصادي بصورة أفضل على مستوى معيشة السكان.